الجمعة، ٢٨ ديسمبر ٢٠٠٧

قراءة نقدية فى حكاية القشرة واللب

بقلم: عبد الونيس زغلول عبد العزيز

بين يدي الرواية:

رواية صدرت حديثًا بتاريخ 2007م بإهداء إلى أهل سنورس، المكان الذي جعله الأديب مسرحًا للأحداث، فقال في إهدائه:

إلى أهلي ووطني إلى شعب سنورس العظيم، وقفتكم الشجاعة في26/11/2005م تعبير بليغ عن أصالتكم عن عمق الإيمان في قلوبكم.

وذلك لأن الكاتب هو أحد الذين فازوا في انتخابات مجلس الشعب 2005 ثم نالت نتيجتهم الشهادة بعد اكتساح عظيم للخصوم؟! ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154)﴾ (سورة البقرة).



المؤلف أحمدي قاسم محمد، معلم الرياضيات فضل العمل بالتجارة، والاشتغال بالتأليف بعد تداعيات وظروف.

يملك عقلاً متفتحًا وعزيمة فولاذية وثقافة متأدبة نشأت معه أو نشأ معها إن كان عضوًا في بدايات الشباب في فريق المسرح بقصر الثقافة.

له شخصية انبساطية مفكرة حدسية تستطيع تحديد أنماط الناس بسهولة ويسر، لذا فهو يجيد فن التعامل مع الغير فهو حينًا يرسل الدعابة التي تملأ قلوب الناس راحةً وانشراحًا وحينًا تسمع منه زئيرًا حينما يحتاج الأمر إلى رجال تزأر.

ذو فكر حر له ذاتيته وبصمته الخاصة..

من إبداعاته السابقة: لعنة الفراعنة (مسرحية منشورة)

الغلاف والعنوان

الغلاف: الرواية جاءت في 105 صفحات من القطع المتوسط.

لها غلاف أخضر مريح للعين لكن في نصفه الأسفل تقريبًا سهم دائري يبتدئ بدوائر صغيرة متراصة تمثل ذيل السهم يتجه رأسه إلى ناحية الغرب وخلف السهم ظلال واسعة لترس يظهر فيه من بعيد حمامتان وخطوط وأشكال، ورؤوس أسهم أفقية متوالية.

ويبدو أن الأديب يشير بالسهم إلى الشمس الداهية تخدعنا كل صباح تسبح في رحلتها اليومية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.. وقد يقصد بالحمامتين الطيور الحرة أو أصحاب المبادئ فهو يقول الطيور الحرة توقن بأن الله خلقها لتطير، تمارس حقها في الحط والطيران شكر النعمة أن تسبح في ساحة الفضاء الفسيح لا يخدش موقفها السامي سكان جحور الطين ولا قطعان الجرذان.

العنوان: حكاية القشرة واللب

هل يقصد بالقشرة المظهر الخادع لبعض الناس الذين لا يحملون في داخلهم لبابًا أو جواهر يعتمدون على حقيقتها ولا يعيشون بها؟

وهل يقصد باللب هؤلاء الناس الأصلاء الذين حافظوا على الجوهر النفيس الذي عرفوا به والذي لا تغطيه قشرة ساذجة رقيقة فلا عوار عندهم ولا عيب يحتاجون إلى قشرة تخفيه أو طلاء خادع يستره..؟

هل يقصد باللب الفطرة السليمة التي خلقنا الله وجعلنا عليها فكلنا في الحقيقة (آدم عليه السلام) لكن تتغير القشرة والغطاء الخارجي من آدم إلى آدم آخر بحسب عوامل التعرية وقدرة كل آدم منا على التعامل أو التجاوب معها.

استمع إليه يقول على لسان الأستاذ: "كل الآباء الطيبين يظنون أن أبناءهم سيكون لهم شأن عظيم، ولكننا أجيال متناسخة، لا تتغير فينا إلا القشرة، واللب آدم".

واستمع إليه أيضًا يقول: "المحن تفضح مزاعمنا أو تصدقها، وترفع ما يحجز بين اللب وبين القشرة".

أم يقصد بالقشرة ذلك الريف الذي يغطي الحياة السياسية والاجتماعية من صعود الرويبضة (التافه)، ومن ليس له خلاق ولا دين، وتوسيد الأمور إلى غير أهلها، ويقصد باللب أصحاب الحق، والأصلاء الصابرين، استمع إليه على لسان ممدوح.

"نعم نحن على حق، والحق لا يتحول إلى باطل لقلة معتنقيه ونحن لسنا قلة، نحن نمثل أمة، أما هم فليسوا أكثر من فئة تغتصب السلطة وتتاجر بالسياسة وهم مجرد قشرة".
قد يكون كل ما سبق أو غيره هو المقصود بالقشرة واللب.

اتجاه الرواية

نحا الأديب- على حدِّ علمي- نحوًا جديدًا في ورايته هذه، فهو وإن نبعت أفكاره من معين الإسلام الصافي إلا أنه لم يَسِرْ على شكل أو نسق فني معروف أو مطروق؛ فالرواية واقعية من أكثر من زاوية؛ إذ الأحداث والأماكن والأشخاص، كلُّ ذلك يصبُّ في تيار الواقعية، ومن زاوية أخرى تجد الرمز والعلامة.

ويبدو هذا التيار واضحًا من خلال ظلال الشخصيات وخلفيات الألفاظ، (فما فتحية دربالة إلا رمز لهؤلاء الطفيليين الذين تسلقوا أكتاف الناس وسحروا أعينهم واسترهبوهم بسحرهم العظيم، وما الأستاذ إلا رمز لهؤلاء العظماء من شعبنا الذين تمسكوا بأصالتهم وقيمهم، وما محمد رضوان السماك ورزق الرديني إلا رمز لهؤلاء البسطاء الذين ترفض نفوسهم النقية كل زيف فأحبوا أصحاب النقاء، وهؤلاء لا تنطلي عليهم خداع القشور ولا تأسرهم أضواء القصور.

أما عن رمزية اللغة فحدث ولا حرج؛ فلكل كلمة ظلال غالبًا والقارئ الجيد هو من ينظر إلى الكلمات على أنها رموز لها ما وراءها، ولا حرج على الأديب في ذلك.. يقول الدكتور نجيب الكيلاني- رحمه الله-: إن قيد الفنان المسلم يكمن في تصوره الإسلامي، ومعتقداته الراسخة وله بعد ذلك أن يختار الشكل المناسب أو يبتدع شكلاً متطورًا أو جديدًا.

نعود فنقول: إن الرواية أحداثها ولغتها وشخوصها كلها علامات واضحة ورموز لها ما وراءها وهي في نفس الوقت دلالة على ثقافة الأديب الواسعة فعلى طول خط الرواية تجد أسماء لشخصيات وأفكار ومفاهيم معاصرة مثل: مالك بن نبي، أنيس منصور، مصطفى خليل، موسى صبري، عمر التلمساني، حلمي الجزار، عبد المنعم أبو الفتوح، حسن البنا، الحاج عبد العزيز العشري، الاتحاد الاشتراكي وثورة التصحيح.

إن هناك ملمحًا رائعًا هو تداخل الحقيقة والخيال وكأن الأديب قد سار من هذه الزاوية في اتجاه الرواية الجديدة إذ الفواصل بين الحقيقة والوهم قد تهاوت فلا أحد يعرف إن كان هذا حقيقة أو وهمًا.

بل أكاد أجزم بالقول: إن الأديب قد جعل في القارئ روحًا تحول الوهم إلى حقيقة والخيال إلى واقع مشاهد لدرجة أن الإنسان وهو يقرأ شخصيات رواية (حكاية القشرة واللب) يقف عند كل شخصية وهمية مصنوعة متسائلاً: من تكون هذه الشخصية في واقع مدينة سنورس؟ من يكون الأستاذ؟ ومن ممدوح؟ هل ممدوح من الشخصيات الإخوانية فعلاً من سنورس؟ ومن رزق الرديني؟ ومن ومَن ومن؟؟؟ إن الأديب بذلك استطاع أن يضيف صراعًا جديدًا داخل البنية المعرفية لعقول قرَّائه وخاصةً القريب من موقع الأحداث.

الصراع

تأسست الرواية على صراعات متعددة:

صراع رئيس يسير وينمو مع الأحداث وهو صراع الأصالة (اللب) مع الزيف والخروج عن القيم (القشرة) وهو صراع يمثل صراع القيم الراسخة الأصيلة مع القيم الزائفة الدخيلة، صراع الحق مع الباطل، وهو بحسب السيميائية الرياضية صاغ ذلك من خلال مفاهيم ذهنية مجردة هي التناقض الفج على الأصالة والقيم والمبادئ المتمثل في فتحية ومحرز و.. و..
وكذلك شبه التضاد بين الصعود في اتجاه القيم بلا أضواء، بلا نفوذ، بلا مال وبين الهبوط في اتجاه القاع بالمال المشبوه والعرض المباح والمبادئ الوضعية السافلة.

ومن خلال تلك المفاهيم (التناقض والتقابل وشبه التضاد) صنع الأديب من روايته خطين مستقيمين كالآتي:

ومن خلال النسق السابق نعرف مدى الصراع العنيف بين البدايتين في الخطَّين والصراع العنيف بين النهايتين في الخطَّين، وتتداول الهزيمة والنصر بين هؤلاء وأولئك على مستوى الحدث والتأثر إلى أن نصل إلى نقطة التسابق المتسارع، وهنا يأخذ الأديب آلة تصويره ليلتقط لنا صورتين لمسجدين: المسجد الأول (المسجد الكبير) فيه فتحية والسيد المحافظ وأصحاب الزي الرسمي وهم (يذكرون) إنجازات السيد الرئيس، وأما الصورة الثانية فهي لمسجد وسط البلد وبه أناس (يذكرون) نعمة الله عليهم أثناء زواج أيمن من أميمة سعداء بجموعهم التي التقت على الحب والخير.

ويزداد الصراع تأججًا مع ارتفاع نبرة العزة والثبات والثقة عند أشخاص الخط الأول في مواجهة أشخاص الخط الثاني ومن يقفون وراءهم، استمع إليهم: لم يبق لي من دعوتي إلا هذا والأمر لله وحده، محمد رضوان السماك، أقدارنا ليست في أيديكم، لا تصنع في مكاتبكم المكيفة، أقدارنا قدرها الله الذي خلقنا.

أما عن الصراعات الداخلية فلقد حشد الأديب ألونًا منها تساعد في مجموعها على تنامي ووضوح الصراع العام للرواية ومن تلك الصراعات:

الصراع النفسي الداخلي عند عبد السميع دربالة عندما واجه مشكلة فتحية.. "الرجل المسكين الذي زاده الانكسار انكماشًا وتضاؤلاً فدفن رأسه بين كفيه الغليظتين" "تمن أن يشق قبره الآن".

صراع الأستاذ النفسي بسبب فتحية التي تنتمي إلى عائلته "انطلقت الكلمات المشتعلة من فوهة فم الأستاذ.." "لا يعرف الأستاذ كيف غادر مائدة إسماعيل مبروك..".
صراع أم فتحية النفسي "بطن البنت بتكبر يا حاجة.. دبريني الله يسترك".

صراع أم أميمة بين القبول والرفض عندما طلبت الحاجة أم طارق زواج طارق من أميمة،
صراع السلطة المتوحشة بقشرة الديمقراطية مع الشعب البسيط، "انطلق لسان العمدة بمجرد إحساسه بالأمان.. وصف الانتخابات بأنها قلة أدب" "لطمه مدير الأمن على وجهه وقال له: أنا لا أستعطف أحدًا يا بن الكلب".

ويمكن الاستدلال على صراع السلطة مع الشعب البسيط من خلال الجدول الآتي

صراعات عنيفة متلاحقة يأخذك هذا الصراع ليسلمك إلى آخر مما أعطى الرواية متعةً فنيةً وتشويقًا يحسب للأديب.

غاية الأديب

يقول محمد خلف الله أحمد: "الأديب مواطن، وليس لأي مواطن أن يتخلَّف عن الصفوف حين تخوض أمته معركةً من معاركها الشاملة الحاسمة".

إن وظيفة الأديب التوحد مع مجتمعه فهو يحس بما يحس به، ورواية (حكاية القشرة واللب) تعد نبضًا لوجدان المجتمع المصري وحياته المعاصرة وأن هناك ملاحظةً تسطع في آفاق الرواية بين حين وآخر، ألا وهي سيطرة الفكرة الإخوانية كجزء من المجتمع الحديث توجِّه إليها الحكوماتُ سهامَها، مع أن أصحابها أصحاب دين ووعي وولاء لمجتمعهم.

لقد سيطرت تلك الفكرة على ذهن الأديب وإن خفف من حدتها في بعض المواقف تناولها بشكل تلقائي على ألسنة شخصيات الرواية، استمع إليهم: "ما زال الناس يتسامرون في ذلك اليوم التاريخي يوم جاء الشيخ حسن البنا إلى سنورس" "هؤلاء إخوانه، محمد رضوان عاش من الإخوان المسلمين"، "كان زميلاً لعبد المنعم أبو الفتوح، كلاهما كان رمزًا إخوانيًّا في كليته.."، "هذا قدر الإخوان، وهم لقدر الله ممنونون".

ومن زاوية أخرى، هل نستطيع أن نقول: إن الأديب قد وضع لبنةً في صرح الرواية الإخوانية، إن صح التعبير، صحيح أن الدكتور نجيب الكيلاني- رحمه الله- قد أشار في بعض رواياته إلى ذلك، إلا أن روايات الدكتور الكيلاني أكدت غالبًا على جانب المعاناة داخل السجون في فترة من فترات الصراع، أكدت غالبًا على جانب المعاناة داخل السجون في فترة من فترات الصراع، لكن الرواية هنا نزلت إلى عمق المجتمع، وما فيه من أحداث.

إن هذا الشكل من الرواية تطوُّرٌ يليق بطبيعة المرحلة الحالية، من عمل وإستراتيجية الإخوان المسلمين، وأيضًا تفترق رواية "حكاية القشرة واللب" عن الروايات الأخرى في هذا الاتجاه، من خلال الصراحة والوضوح عند ذكر السماء والأفكار والمواقف؛ مما يشير إلى شخصية الأديب التي قد تتميز بسمات منها: البعد عن الانزواء أو التواري والوضوح والصراحة التي قد تكون شديدة صارمة أحيانًا، وليس عيبًا أن يتبنَّى الأديب وجهةً أو عقيدةً أو مبدأً أو- كما يقال- أيديولوجيةً معينةً، إن الأديب المسلم مطالب بأن يكون امتدادًا لفجر النهضة الإسلامية ومعاركها الإنسانية النبيلة.

إن هذا الأدب الذي يطلق عليه أدب الداعية ليس بدعًا في عصرنا بل هو موجود في كل العصور وفي كل المعتقدات يقول هربرت ريد: فالطابع المسيحي ظاهر وواضح في إنتاج أدباء المسيحية، والطابع اليهودي أشد وضوحًا في إنتاج أدباء اليهود، والطابع البوذي ظاهر في عطاء الهند والصين وإن كان بين بوذية الهند وبوذية الصين اختلاف يظهر أثره في الأدبين.

إذن نستطيع أن نقول: إن غاية الأديب هي خدمة فكرة الخير والحق والعدل وترسيخها في النفوس.

الإشارة إلى الفكرة الإخوانية والتوجه الإخواني من الناحية الاجتماعية والسياسية.

أسلوب السرد

استخدم الأديب ما يسمى عند النقاد بأسلوب الرؤية المرافقة، بمعنى أن السارد أو الحاكي (وهو هنا ضمير الغائب) يسير خطوةً خطوةً مع الأحداث معبِّرًا عن الشخصيات تعبيرًا دقيقًا فهو هنا بالرغم من كونه قد يعرف أكثر مما تعرف الشخصيات إلا أنه مع ذلك لا يقدم لنا أي تفسير للأحداث قبل أن تصل الشخصيات ذاتها إليه.

وقد استخدم ذلك الأسلوب حتى لا يقع في المأزق السردي، المتمثل في (الرؤية من الخلف)، التي يفترض فيها السارد أنه يعي كل الشخصيات أكثر من وعيها بنفسها؛ فهو يرى كل شيء خلف الجدران وتحت الأسقف وما تنبض به القلوب.

كذلك استخدام الأديب بوضوح أسلوب المونولوج الداخلي، فآلة تصويره تعود إلى الخلف في كثير من المواقف- تصور ما مضى دون الإخلال بالترتيب الزمني.

قسم الأديب روايته إلى دفقات سردية روائية ومع بداية كل دفقة يقف الحاكي بنا وقفة الحكيم الفيلسوف يطلق حكمته التي استوحاها من خبرات السنين وتعاقبها ومن حقائق الزمان والمكان بحيث يلخص بحكمته أحداث ومفهومات الدفقة، استمع إليه وهو يهمس في أسى:
"الحزن سم ناري ينفثه القلب إلى أقصى الأطراف يسحب منا الروح قبل الموت.."

لكن الملاحظ أنه ينهي كل عبارة استفتاحية (بجملة) من آي القرآن الحكيم لتسكن عندها النفس الحائرة أو المترددة في فهم عباراته.

إن الأديب بذلك كأنه يضع في يد القارئ مشكاة يكشف بها الأحداث وما وراء الأحداث يقول في نهاية بعض الافتتاحيات: "كل يوم هو في شأن" "والله يحيي ويميت" "والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين".

وكان الأجدر بالأديب أن يضع القرآن العظيم بين علامتي تنصيص.

اللغة

استخدم الأديب اللغة الفصيحة، إلا أن هناك ملاحظات:

استخدم أحيانًا العامي الفصيح مثل: "لبس البوصة تبقى عروسة"، وكلمة "جرسة" بمعنى فضيحة.

استخدم العامي أحيانًا مثل: "شوفي أهلها يلموها" "يخرج لسانه ويعايرها بعجزها".
الوقوع في أخطاء لغوية كثيرة قد تكون مطبعية مثل العيال لا يعرفوا (يعرفون) أصبح لها راتبًا شهريًا (راتب شهري) أن تنقض (تنقضي).

الصورة

يستطيع الناقد أن يصف الرواية بالبيانية؛ إذ يلمس القارئ حرص الأديب على التصويرات والتشبيهات حرصًا قد يكون مبالغًا فيه في كثير من الأحيان، فتأتي صوره- وخاصةً التشبيهات- بلا داع وبلا تناسق، انظر "حركت رأسها كإنسان آلي من الأجيال الأولى البليدة".. "علامة استفهام انتصبت في وجهها كحية كوبرا شرسة تأبى المسالمة أو الرحيل".

وانظر إلى الصورة الآتية التي بدا فيها عدم التناسق بين المشبه والمشبه به، وهي أيضًا لا تتناسب مع الموقف الداعم للخير والحق: "ذات صباح اعترض طريقها محمد رضوان، انتصب في وجهها كصخرة عملاقة سدت مجرى جدول مائي صغير" "فالتشبيه التمثيلي هنا منتزع من وقوف محمد رضوان بشموخ وإباء في طريق فتحية رافضًا ما تصنعه بنفسها (وهو الموقف المشبه) وأما الموقف المشبه به فهو وقوف الصخرة العملاقة التي تقف في مجرى الجدول الصغير.. (والسؤال: ما وجه الشبه بين فتحية ومجرى الجدول؟ وما وجه الشبه بين موقف محمد رضوان هنا وموقف الصخرة هناك؟)".

وانظر "تنفجر حروف كلماته وكأنه يتعارك في سوق مزدحم"، واستمع إلى هذا التصوير الغريب: "جاءت كالمزة التي يغير بها شاربو الخمر مذاق أفواههم العفنة".

وما سبق لا يعني أن صور الأديب كلها هكذا، بل إن هناك صورًا بديعةً غايةً في الروعة مثل: "خرجت الحروف متثاقلة يجر بعضها بعضًا كجنود جرحى عائدين..."

ومثل الكناية الجميلة: "انطلقت لتلقى بالأَتون المستعر فوق كتفيها تحت شلال الماء البارد.."،
ومثل "صورة الشيخ عبد البديع وهو خطيب فوق منبر الجامع فاتحًا ذراعيه كشجرة عجوز".

وما يلاحظ على الصور أيضًا:

أنها عبرت بقوة عن شخصية الأديب، ألا ترى معي الروح القتالية الجهادية الصلبة في:
"خرجت الحروف متثاقلة يجر بعضها بعضًا كجنود جرحى عائدين مهزومين من ميدان القتال.."- "انطلقت الكلمات المتثاقلة من فوهة فم الأستاذ كسلسلة قنابل عنقودية تتابع انفجارها.."- "لكن الغضب المحموم الذي غادره منذ أيام عاد ليقتحمه كعصابة صهيونية تغتصب قرية آمنة"، وهي صورة رائعة.

"عكف الأستاذ في غرفته طوال ذلك اليوم، لم يرافقه في حبسه القهري سوى الكآبة التي استوطنته وعربدت كجيش كافر لا يرقب إلاًّ ولا ذمةً".

وبعد تلك كانت قراءة في رواية (حكاية القشرة واللب) قد يشوبها ما يشوب الأعمال البشرية من النقص والخطأ.

ذهب الجزيرة


ذهب الجزيرة

المسرحية الفائزة بالمركز الثاني في مسابقة أنجال هزاع لمسرح الطفل العربى الدورة التاسعة




لست ظالمة يا حبيبتى


لست ظالمة يا حبيبتى

قصة كتبتها ونشرتها فى يوينو 2004

ارجو أن تستمتعوا بها


الأحد، ٢٣ ديسمبر ٢٠٠٧

الإفك المحنة البليغة

الإفك المحنة البليغة



القصة الفائزة بالمرتبة الأولى، بفرع القصة، بمسابقة موقع الألوكة: انصر نبيك وكن داعيًا
تحاورت مع الرئيس مبارك

لفت نظري أثناء سيري بسيارتي، انتظار الكثير من السيارات على جانبي الطريق، اعتدت هذا المشهد، فالسائقين يخشون من لجان المرور التي دائماً تسحب رخصهم وتحرر لهم المخالفات، وغالباً ما تكون ظالمة وكاذبة، بل ويتعرضون لإهانات رجال الشرطة الغلاظ، لكن هذه المرة كان عدد السيارات مثيراً للانتباه وملفتاً للنظر.
بعد مسافة يسيرة أوقفتني لجنة المرور التي أصابت الطريق بالشلل، هممت بإخراج أوراقي إلا أن السيد الضابط أمرني بالتوقف والعودة:
ــ ممنوع المرور، الطريق مغلق.
عندما ترجلت من السيارة هالني مشهد السيارات بكافة أنواعها، قوات الشرطة متواجدة بكثافة غير عادية، اقتربت من أحد الضباط وسألته:
ــ فيه إيه؟
ــ قال بقرف: زيارة السيد الرئيس.
تلفت حولي فرأيت غضباً موًّاراً، وسحابات سوداء تتصاعد من أفواه الناس، الشرر يتقد من العيون، كلمات مجنونة ـ بعضها فاحش وبذئ ـ تعربد في سماء المكان.
حملت جسدي المحبط وألقيته فوق كرسي السيارة وأسندت راسي لعلي أنعم ببعض الهدوء الذي أطمع في أن يعالج توتري النفسي الحاد.
إذا الرئيس مبارك أخيراً في زيارة لمدينتنا، كنت أتمنى دائماً أن ألقاه، وددت لو اقتربت منه وسألته عن سر ازدرائه لشعب مصر؟
وددت أن أقول له سيادة الرئيس لماذا تصرون على حكمنا بقانون الطوارئ؟
وكأن الله حقق لي أمنيتي، وجدتني أجلس قبالة الرئيس مبارك الذي بدا مبتسماً وشباباًً على عكس ما نراه على شاشة التليفزيون.
لم أشأ أن أضيع وقتاً وتوجهت إليه مباشرة بالسؤال: سيادة الرئيس اسمح لي أن استفسر من سيادتكم عن سر إصراركم على حكم شعب مصر بالأحكام العرفية؟
ابتسم وقال: احنا عندنا مشاكل كتيرة ما ينفعش نحلها إلا في وجود قانون الطوارئ، زي الإرهاب، والتنمية الاقتصادية، والإصلاح الاجتماعي، الاستقرار لازم للتنمية.
بمناسبة الإصلاح سيادة الرئيس ألا ترون أن الإصلاح بطئ جداً وان الحكومة كلما قطعت خطوة تراجعت عشر خطوات؟
أجاب بثقة الخبير: دا مش تراجع دي سياسة، وأنا هأقولك بصراحة، مفيش إصلاح في مصر حتى يتم حل مشكلات كثيرة، زي مشكلة فلسطين والعراق ودار فور و.........
ولكن سيادة الرئيس عفواً للمقاطعة، هذه مشكلات مستعصية منها ما هو قائم منذ مائة عام وليس له حل في المستقبل المنظور؟
قال بطلاقة: علشان تعرف إن أنا عندي حق فيما أقوله، ريحوا نفسكم، الإصلاح للي يعيش.
فبادرته مكتئباً: يعني ليس هناك أمل سيادة الرئيس لأن أتمتع بحريتي قبل أن أموت؟
تغيرت لهجته وقال: أنت مش مؤمن بالقدر؟ فأومأت برأسي وقلت: الحمد لله مؤمن بالقدر.
قال: سيب الأمر لله، وبعدين أنا مفيش في إيدي حاجة أعملها، أنت قريت تصريح الدكتور نظيف؟
فقلت مستغرباً: تصريحات الدكتور نظيف كتيرة سعادتك خاصة في الفترة الأخيرة.
قال: لا. أنا أقصد التصريح بتاع الإصلاح اللي قال فيه: إن الإصلاح في مصر مرتبط بالرئيس الأمريكي بوش الابن. بصراحة الراجل جابها على بلاطة وكان صريح جداً.
فنظرت في عينيه وقلت: لكن سعادتك رئيس مصر؟
أجاب بسرعة: هي دي مشكلة المصريين، لازم تفهموا طبيعة النظام العالمي الجديد، محدش يقدر يخالف أمريكا، بكررها تاني محدش يقدر يخالف أمريكا، اللي عايزاه أمريكا هو اللي يتم وينفذ، واللي مش عاجبه يبقى إرهابي.
فتراجعت في مقعدي وقلت: وموقفنا من حماس سيادتك؟
فشبك أصابعه ونظر إلي نظرة حادة وقال: أنت بتفهم؟
لم أستطع الرد بنعم أو بلا، وأحسست بأنني تحولت إلى تمثال صخري بارد.
أعادتني إلى كرسي سيارتي طرقات غاضبة على زجاج السيارة، التفت فإذا عدد من الطلبة المشتعلون غضباً، اغرورقت عينا أحدهما بالدموع وقال: هل هذا يرضي الله ياأستاذ؟ منعونا من الذهاب إلى لجان الامتحان، ماذا نفعل؟ نروح لمين؟ هل يرضي الرئيس ما تفعله قوات الأمن أغلقوا جميع منافذ الفيوم؟ من يرفع صوتنا للريس؟
انكمشت في كرسي السيارة، وقلت لهم بصوت ضعيف متهدج: مش أنا، شوفوا حد غيري.

أحمدي قاسم محمد
الخميس 25/5/2005

إلغاء منصب الرئيس

إلغاء منصب الرئيس

قالت لي نفسي: الوطن في حالة عركة وأنت تجلس تكتب شعرك طول الليل، انزل معترك الساحة، واكتب رأيك بصراحة، الرزق بيد الله، وإن كان الموت فهو في هذا الزمن راحة.
قصدت نفسي بالعركة، هذا الجدل المحموم حول منصب الرئاسة في مصر، والمحتدم بين السلطة المتشبثة بالقيادة حتى الموت، والشعب المسكين الذي يتطلع لحياة يتمتع فيها بإنسانية أهدرتها الحكومات منذ أن اغتصب العسكريون كرسي حكم مصر المحروسة ورفضوا النزول.
قفزت إلى سطح ذاكرتي طرفة كنت قرأتها منذ سنوات في موسوعة مصر القديمة للدكتور سليم حسن،
تدعي هذه الطرفة أن أحد فراعنة مصر، ويدعى بيبي الأول، جلس على عرشها مائة عام إلا ساعة.
هم رجال السلطة الشاغل تثبيت الكرسي في بيت الحكم للأب وللابن وللحفدة، بغض النظر عن أنظمة الحكم، رئاسي برلماني، أو ملكي رمزي، بهلواني شقلباظي، أو كوكتيل من هذا كله غير مهم، الكل سيان مادام الكرسي في بيت مبارك.
نعتمد الاستفتاء أو الاستنخاب، أو الاستكراد، لا بأس بأيها أو بها جميعاً إن كانت تحجز كرسي الحكم في بيت مبارك.
نقرأ الدستور على حاله، أو نقلب حاله، أو نقطعه قصاقيص نبعثرها ثم نعيد تجميعها على طريقة الحاوي، لا بأس مادامت تغصب كرسي الحكم لآل مبارك.
يقتطعوا الآيات من القرآن أو الإنجيل أو التوراة، أو يقتبسوا من نظم الحكم من بلاد مابين السدين، أو حتى بلوتو الذي أخرجوه أخيراً من المجموعة الشمسية، لا ضير مادام الكرسي في عرش مبارك.
الحل يا وطني المسكين أن نلغي هذا المنصب، نلغي كرسي الحكم، أو منصب الحاكم.
لن نخرج من هذه الدوامة المجنونة إلا بإلغاء منصب رئيس الجمهورية، ويحل محله مجلس إدارة منتخب من جمعية عمومية.
وبهذا نخرج من دائرة التوريث، ونأمن شر كل منافق خبيث.
قالت نفسي غاضبة: هل تمزح؟ قولك هذا جد أم هزل؟
قلت لها: لن أفصح عن قصدي حتى تخبريني عما يحدث في وطني. جد أم هزل؟!
أحمدي قاسم محمد
سنورس في صباح الثلاثاء 14 نوفمبر 2006

الجماعة المحظوظة

الجماعة المحظوظة

دأب كبير الشتامين على وصف الإخوان المسلمين بالجماعة المحظوظة، ويعني بحظوتها أن الحكومة تسمح لها بالعمل في الجامعات، وتتحرك في مصر بدون مواجهة، ويدعي أن الحكومة تضيق على حزبه.
وكبير الشتامين في حقيقته دمية صغيرة تجلس في حجر الحزب الوطني ليوهم بدور المعارضة.
ولأن كبير الشتامين مثل كبير البصاصين وكبير الكذابين، له أهداف عدة من وراء مهامهم القذرة ليس منها الحقيقة، إلا أنني أتفق معه هنا في كون الإخوان المسلمين جماعة محظوظة بحق، وإن اختلفت معه جذرياً في سر حظوتها التي أراها تتمثل في مجموعة من الحقائق منها.
أولاً:
أن الفكرة التي قامت عليها ولها جماعة الإخوان المسلمين عقيدة راسخة في قلوب هذا الشعب، ترقى على التشويش، وتتعالى فوق المكر الذي يكافح لكبتها وإطفاء جذوتها في القلوب، بل العكس هو الصحيح، فالفكرة الإسلامية تتوهج يوماً بعد الآخر في قلب هذا الشعب، وتؤكد هذه الحقيقة كافة المؤشرات والظواهر الاجتماعية، بدءً من الأسماء الإسلامية إلى صناديق الاقتراع، مروراً بالحجاب وساحات المساجد وأعمال البر وحفظ القرآن الكريم.
والجماعة بلا شك محظوظة بهذا المنهج الذي لا يكلف الداعية اللبيب سوى إثارة العاطفة الكامنة، وإحسان مخاطبة العقل.
ثانياً:
رجال الإخوان، أو كتيبتهم العاملة المجاهدة، نوعية تميزت برؤية واضحة للطريق، وعزم ماض لا يتأثر بالعقبات، وغاية سامية منصوبة أمام عيونهم يتغنون بها، وأهداف يضحون في سبيلها بكل غال ونفيس، ووراءهم رصيد من أسلافهم المجاهدين على مدار التاريخ، وأمامهم وعد بالنصر والتمكين يسمو فوق كل شك، لأنه وعد الله، إن الله لا يخلف الميعاد.
وهذه الكتيبة ثمرة تربية الليل والنهار، ومحصلة التجارب المريرة، والتضحيات الجسيمة، وحمل هم الأمة التي تآمر عليها أعداؤها لتغييب وعيها الجماعي، وفصلها عن تاريخها المجيد.
واهم ما يميز هذه الكتيبة المجاهدة أنهم تبايعوا على غاية وأهداف ووسائل ورؤية للتغيير الاجتماعي، ووفق منظومة فكرية محددة البنود يسمونها الأصول العشرين، وعلى علم يقيني بكل ما يدبره لهم أعداءهم، ولسانهم يلهج بكلمات أسلافهم عند وقوع البلاء كما قال تعالى عنهم:
"وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" الأحزاب(22/23)
فإذا أضيف إلى هذا أنهم متجردون من أي مغنم أو رغبة في متاع دنيوي، زاهدون فيما يتقاتل عليه الناس، يجتهدون في تخليص أنفسهم لله تعالى وحده.
هذا فضلاً عن رباط الأخوة الصادقة، وحميمية الحب في الله، وما يثمرانه من متانة الصف الواحد، وتراحم الجسد الواحد.
فأي جماعة بشرية، أو حزب سياسي يحظى بكتيبة مجاهدة مثلها.
ثالثاً:
من أهم ما تميزت به هذه الجماعة أنها الفئة الوحيدة ذات الكيان والحضور العالمي التي ترفع راية الإسلام في هذه اللحظة التاريخية من عمر الإنسانية.
فهي تقوم بحمل رسالة الله تعالى بكمالها وتمامها، والمناداة بها في الناس كافة، في حين سكت عنها البعض مخافة الأذى، وجزأها البعض بحثاً عن صيغة توافقية ترضي الآخرين، وتنكر لها البعض لينعم بلعاعة من الدنيا.
وحمل رسالة الله في زمن ليس للمسلمين فيه إمام ولا دولة ليس أمراً هيناً، بل عمل شاق، وخيار صعب جسيم التبعات والمخاطر.
لذلك يجب على المتأمل في الحقيقة الإخوانية أن يقف طويلاً أمام صمود هذه الجماعة، أو هؤلاء الرجال، أمام سلسلة المحن والمظالم التي وقعت عليهم، والتي يتوقعونها، بلا ملل أو يأس.
فالجماعة منذ تأسيسها في عام 1928 والراية في يدها لم تنكس، تغيرت الحكومات، وتبدلت نظم الحكم، وتتابع الحكام مدنيون وعسكريون، واندثرت الأحزاب والجماعات والجمعيات والتجمعات البشرية العاملة، وابتلعت القبور الزعماء والساسة والمفكرين والقادة الاجتماعيين، وأفلست النظريات والسياسات الحاكمة، والجماعة تزداد مع الأيام ثباتاً ورسوخاً في الأرض.
رابعاً:
البيئة الاجتماعية القاسية التي ترعرت فيها الجماعة، والتي تكفلت بتوفير الخبرات العملية الثرية، وصقل الرجال، واستنهاض هممهم، وإثارة عزائمهم، ليكونوا على مستوى التحديات والمواقف،
كما أن هذه البيئة كان الأثر الفاعل في نفوس هؤلاء الرجال بداية من خيارهم الصعب بالانطواء تحت رايتها والدخول في بيعتها، نهاية في الصبر على البلاء واحتساب الأذى عند الله تعالى والوقوف بشموخ في صف الشهداء المنتظرين.
ومن أهم ما هيأته هذه البيئة للجماعة، إيجاد تجارب مؤثرة لتمحيص رجالها من حين إلى آخر، ورفع معنوياتهم ودرجة استعدادهم دائماً، وتربية أجيالهم في بكورها على الصلابة والتحمل والابتسام للمحن من خلال ما يقع عليهم من مظالم، وما يعانونه من تجاوزات.
هذه وغيرها تجعلني أعتقد يقيناً بأن الإخوان المسلمون هم بحق الجماعة المحظوظة ، ولكن ليس لأسباب كبير الشتامين.
أحمدي قاسم محمد
عضو مجلس الشعب الشرعى عن دائرة سنورس
سنورس في: الأثنين 5/3/2007