الأربعاء، ١١ مارس ٢٠٠٩

مشهد النهاية (لعنة الفراعنة)

يدفعني الحنين لإعادة قراءتها من زمن لآخر، استرجع حوار مشهد النهاية، أحب قراءته. كتبته سنة 1988 في ختام مسرحيتي ـ لعنة الفراعنة ـ أحببت أن يقرأه إخواني.
هل هي إشارة إفلاس. ربما. عفواً المسرحية نشرت سنة 2001 ووزعتها مؤسسة الجمهورية.
******************************************************************
فرعون : هل عدتم ثانيه للثورة . لن تجدوا عندي إلا السيف وزبانية مهرة.
والقتل يسير لا يجهد . يمتعني .
تغريني رءوس الكفرة وأراها ثمرات نضجت تدعوني للقطف.
أطعمها كلابي القذرة والقـــردة، يا غدرة . أفسدتم أنفسكم
لجهـــــــــــالتكم بأساليب اللعبة . استمعوا للحكمة .
لو بقيت شاة من شعبي لحكمت الشاة ولم أنزل.
وأضحى بالكل سواء، فالعرش في نظري أجمل .
يا جهلة . استمعوا للحكمة .
الحاكم ما زال القاتل وكذا يبقى حتى يُقتل.
وأنا ربكم الأعلى سلطاتي أعظم وأجل.
الرأي الآخر يعجبني فأروني من سئم الذل؟
من مل حياة عبادتنا فيمدد رقبته للفل.
فيريح النفس ويرتاح . لو شئنا لذبحنا الكل.
الشاعر : مولانا الأرض تئن من الألم والشمس حزينة.
والحب وراء الأسوار رهينة.
والشعب ينقب في ظلمت الليل عن الحق وأنوار الحق سجينه.
والطير في جو سمائي يضمر في الصدر ضغينة.
وبذور الشرف المرجوة في عمق الطين مهينة.
والطفل النبات في عرض الشارع يرثى أما مجنونة.
فرعون : اخسأ يا باغي الفتنة.
الشاعر: مولانا قوادك يحفر في رأسي يبحث عن كل دفينة.
عن كنز. عن خمر. عن جاريه كالبدر.
يبنى للشيطان مدينة.
قوادك ينسج من لحمى ثوباً. يبنى من عظمى سفينة.
يبسط ساقيه في عرض الوادي يفرز قيحاً وصديداً وأهازيج لعينة.
فرعون : موسى يبغى في الأرض الفتنة. يرجو أن يمهل يوم الزينة.
اسمع يا هامان. يا ملأي : موسى يرجو أن نبنى عرينه.
تطمع في إيمان السحرة ؟! .
دعك من الماضي وحنينه. أنت الآن بقبضتنا .
قبضتنا صارت مجنونة .
لن تذهب للطور الأيمن . لن تدخل أبدا إلى سينا.
لن تسرى بعبادي ليلاً . أو تبنى مع نوح سفينة.
محصور بين الشقين . سيفي والأمواج لعينه.
لن أترك باباً تسلكه. سَأُخَلِي للكل سبيله.
الجميع : يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا الإنسان .
هامان : فرمان من مولانا الفرعون الأعلى .
فرعون: في الحانات يولد كل الولدان كي تنشأ وتشب على الحرية.
هامان : عاش الفرعون الأعلى .
الجميع : يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا الإنسان.
هامان : فرمان من مولانا الفرعون الأعلى.
فرعون : تلغى حجرات النوم، تهدم كل الجدران .
ستكون مضاجعه النسوة في الطرقات، وفي الحانات.
وعلى قارعة الحارات . وفى كل الأحيان.
وحرام أن تأخذ ستراً. وسنتبارى في الميدان.
من يأتي ألف امرأة في ساعة أمنحه وسام الشجعان.
الجميع : يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا الإنسان.
الشاعر : حطموا سجنكم وحرروا أنفسكم.
الجميع : ( وهم يدفعون ) يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا
الإنسان .

ســـــــــــــــــــــــــــتار

الاثنين، ١٦ فبراير ٢٠٠٩

هذه لحظة تاريخية فاغتنموها

مع بداية الأسبوع الثالث للعدوان ذاب الضباب تماماً من سماء غزة، أشرقت شمس الحقيقة على أرض الرباط لتتألق مفرداتها أمام العالم أجمع وتنطق بلسان عربي مبين، ورسالة بليغة للعالمين. ـ القضية ليست حماس، إنها شعب غزة، فخيار الجهاد ليس خيار فصيل مقاوم قُدِّر له أن يحكم مليون ونصف من البشر، ولكنه خيار المليون ونصف من البشر، وأن البطاقات الانتخابية التي حررها الشعب الفلسطيني وصبها في الصناديق لصالح حماس، لم تكن لحماس بقدر ما كانت خياراً صريحاً للجهاد والمقاومة المسلحة كعقيدة ونهج حياتي، وحل لمعالجة قضية الاحتلال والعدوان، وهذا ما وثقته وسائل الإعلام وهي تنقل رد الفعل العفوي للغزاويين مع تباين أعمارهم ومستوياتهم الثقافية. ـ أن هذا الثبات الجهادي المبهر الذي قدر الله تعالى له ينبت وينضج بعيداً عن أيدي السلطات العربية، وبعيداً عن سجونها ومعتقلاتها وتجويعها في شطر الأمة، وبعافية من رفاهيتها وإسرافها وإلهائها في الشطر الآخر، انتقام ورد اعتبار لآبائهم المجاهدين الذي انطلقت أجسادهم ملبية نداء أرواحهم للدفاع عن فلسطين وقت النكبة الأولى، فأعادتهم السلطات العربية مكبلين في الأصفاد إلى السجون والمعتقلات، ودفعت بجيوشها النظامية لتهزمها العصابات الصهاينة وتمزقها في الصحراء، ثم تعود خائبة لتدخل نفق التفاوض بأيدي خاوية، وتضيع فلسطين إلى الآن. ـ أن الكيان الصهيوني ضعيف وليس بالقوة التي ترهبها السلطات العربية، فالجيش الذي لا يقهر، والذي هزم جيوشاً قادتها ودربتها السلطات العربية في ساعات، يقف اليوم عاجزاً أمام فصيل مقاتل، يتحداه ويتلاعب به أمام العالم أجمع، ويهين كبرياءه المزعوم على مدى أسبوعين كاملين رغم أنه يقاتل فوق أرض يحفظ دقائق تضاريسها، ويجول في سمائها بلا شريك، وبكل ما يملك من قوى وتقنيات ودعم مادي وسياسي. ـ أن قتل المدنيين فعل انتقامي للصهاينة، هزيمتهم في ساحة المواجهة، وعجزهم أمام رجل العقيدة، دفعتهم لإغاظته في أهله، لارتكاب جريمة قصف النساء والأطفال عن عمد وإرادة، وهو رد فعل الفاجر عندما يعجز، وعمل اعتادت عليه العصابات الصهيونية، وبه قامت دولتها في عيوننا. دفتعهم للانتقام من المساجد التي كانت بمثابة الحضانات الإيمانية المفرخة لكتائب الإذلال الصهيوني. ـ أن الأمة حية لم تمت، وأن دماء الشهداء هي ذاتها دماء الإحياء، هذا ما أعلنته الجماهير التي هبت ملبية بأموالها وحناجرها، تمني نفسها بالجهاد في غزة، والانتقام لمئات الآلف الذين غدرت بهم العصابات الصهيونية منذ بدأت مشروعها الاغتصابي للأرض المباركة. هذه الجماهير المسلمة التي تنادت واحتشدت في جميع أنحاء المعمورة، أعلنت بفصاحة أن أمة محمد  لن تموت لأنها تحمل رسالة من الله إلى الناس كافة، وأنه لم يزل لها دور تلعبه في تاريخ الإنسانية، وزمن قيادتها أشرف فجره على الانبثاق. ـ أن الجهاد فوق أرض الرباط الآن كشف للعالم أجمع مدى بشاعة الكيان الصهيوني الذي صنع له الإعلام الغربي زوراً وبهتناً وجهاً حضارياً مشرقاً، وفي ذات الوقت وصم الفلسطينيين والعرب عامة بالإرهاب والدموية والخطورة على الحضارة الإنسانية، هذا فضلاً عن الجهل والتخلف الذي التصق بالعرب في العقلية الغربية الغافلة عنهم. الآن أسقط الجهاد الفلسطيني فوق أرض غزة هذه الأكاذيب، وفضح المسخ الصهيوني الاستعماري البشع، في حين كانت تعجز الحملات الإعلامية القوية المخلصة على مدى عقود وعقود عن فضحه وتعريته.. إن الدماء الفلسطينية الطاهرة فوق أرض الرباط الآن أظهرت الوجه الحقيقي للكيان الصهيوني العنصري الذي يرتكب أبشع الجرائم تحت سمع العالم وبصره بلا حرج، ويتورط بعمى مثير لأنه يتصرف بعفوية القوي الذي أمن الحساب والعتاب على السواء. ـ أن السلطات العربية قطعت شوطاً بعيداً عن شعوبها، فقد عملت على إخراجها من دائرة الفعل، وصنع القرار، واختارت أن تقف في العراء بلا قوة حامية، فاندفعت مرعوبة لأحضان أعداء الأمة الذين تلقفوها وعاملوها معاملة التابع الذليل. جاءت المظاهرات الحاشدة التي عمت العالم الإسلامي بمثابة استفتاء شعبي حر ومباشر على خيار المقاومة والجهاد المسلح، وانتهاء زمن المبادرات العربية، والخيار الاستراتيجي للسلام. لهذا يجب على الحكام العرب الذين كانوا يلهثون وراء السلام ويستجدونه من إسرائيل بلا جدوى، ألا يجدفوا ضد التيار الشعبي الهادر، وعليهم أن يستثمروا اللحظة التاريخية الرائعة ليستعيدوا مكانتهم وإرادتهم على الفعل وإدارة شئون شعوبهم كمؤسسات حاكمة. فهل وعت الحكومات هذه الحقيقة؟ حقاً لقد تدرج وعي هذه الحكومات بحقيقة التحول الذي طرأ على طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوأمريكي مع أيام العدوان الغاشم على غزة في السبت 27/12/2009. فمنهم من كان له دور مشارك في العدوان منذ البداية. ومنهم من انتظر ظناًُ منه أنها كانت مجرد حملة تأديبية ستعيد بها إسرائيل السلطة الفلسطينية إلى غزة بالقوة بعد أن تقضي على حماس وينتهي الأمر. ومنهم من فقد القدرة على الحركة في أي اتجاه. ومنهم من كانت له رؤية تحددها عقيدة وخط نضالي واضح وهم قلة. فهل يمكن أن تتطور هذه الرؤى السلطوية لتواكب التقدم الجهادي الذي اختزل الزمن، وأدار الأحداث نحو الاتجاه الصحيح؟ الأحداث على الأرض تؤكد عكس هذا، فهاهم يسيرون وفق طبيعتهم عكس الاتجاه، وجل همهم تحويل الانتصار العسكري الرائع في غزة لصالح الصهاينة، ومنحهم ما عجز عنه جيشهم الذي لا يقهر ـ حسب زعمهم ـ. بلغوا حداً مخزياً ومقززاً من الضعف والتهافت، فلا هم قادرون على اتخاذ قرار عندما اجتمع وزراء الخارجية، وهم عاجزون عن الضغط لإصدار قرار في مجلس الأمن، والآنسة كوندا تجتمع بمن تشاء ومنهم، وتحرم من التطلع لمحياها من تريد. في الصباح وقف عباس في القاهرة في موقف بائس مثير للاشمئزاز والسخرية، وهم يلقنونه عن اليمين والشمال ـ يتباكى على الدماء الفلسطينية وكأنهم ليسوا شركاء فيما يجري، وكأنهم لم يتمتعوا بحماماتهم الدافئة، ويعقدوا أربطة أعناقهم بمهارة، استعداد لدخول غزة على دبابة صهيونية فوق أشلاء حماس كما رأوها في أوهامهم وخيالاتهم المريضة. لو كان عباس صادقاً في عاطفته وموقفه كما يوهم، فالحد الأدنى أن يعتزل العمل السياسي ـ ليس الاستقالة ـ لأن ولايته انتهت بانتهاء التاسع من يناير الجاري ـ ويعلن فشل السياسة التي انتهجها وسلطة أوسلوا، ويحرر شعب الضفة ليدافع عن قضيته، ويناصر إخوانه في غزة كما يريد، أو يرحل ليتمتع بملياراته في منتجعات العالم كيف يشاء، حتى يلقى الله. أنا لا أعتقد هذا ـ مع الأسف ـ عباس سلطة فلسطينية، جزء من السلطات العربية، نفس العقلية والوظيفة، قد يركبوا الموجة حين يرون ارتفاعها، وينافقون الشعوب حين يعاينون هدير أمواجها، ولكن حرب العقيدة خالصة لله، والنصر فيها موقوف على ميقات إلهي، ثم معايير إيمانية، والأيدي الملوثة بدماء المسلمين لن ترفع للإسلام راية ولو وقفت على أعتاب تل أبيب، وأن النصر الحاسم لن يتحقق إلا بالربانيين وللربانيين

الاثنين، ٢٩ ديسمبر ٢٠٠٨

الأقنعة والوجوه الصهيونية

الأقنعة والوجوه الصهيونية

الإحساس العام بالخزي والمهانة مرر حلوق المصريين، ليست هذه هي مصر الأزهر، ولا مصر القوة العسكرية المؤثرة إقليمياً وعالمياً، ولا مصر القوة البشرية الهائلة والفاعلة في كافة المجالات. قاتل الله من أهان مصر وشعبها، وقهره إلى خلفية الصفوف محبطاً حزيناً، وعطل طاقاتها وقدراتها، ونهب وبدد ثرواتها. المذبحة الجارية على مدار الساعة فوق أرض غزة أسقطت الأقنعة لتسفر عن وجوه ممسوخة بلون صهيوني أزرق، وأزاحت الستار عن القِبلة الحقيقية للسلطات العربية ومستهدفاتها. صورايخ وأقنعة إن الصواريخ التي سقطت على غزة كانت كافية لفضح السياسة المصرية وتواطئها مع العدوان الصهيوني الأثيم على غزة الفلسطينية. فالسلطة المصرية كانت تعلم، بل وأشك أنها طلبت الإسراع بضرب حماس لتحقق أهدافاً عدة منها، كسر حماس وتطويعها للدخول في المبادرة العربية للسلام، وهو ما يعني إلقاء سلاح المقاومة والاعتراف بإسرائيل، لتتحول حماس إلى سلطة فلسطينية موازية لرام الله وتابعة لها. والسلطة المصرية موقفها واضح من حماس منذ نتيجة الانتخابات، بل وقبلها، فهي التي طلبت تأخير الانتخابات الفلسطينية إلى ما بعد انتخابات التشريعية في مصر 2005، حتى لا تدعم نتيجتها المتوقعة لصالح حماس الإخوان المسلمون في مصر. والتصريحات الاستفزازية والعدائية خاصة من وزير الخارجية المصري، وآخرها (إن مصر في انتظار عبور الجرحى الفلسطينيين إلي الجانب المصري من معبر رفح‏,‏ ولكن لا يسمح لهم بالعبور!!!) الأهرام28/12/2008 وقد سود الله وجهه ببيان وزارة الصحة الفلسطينيين الصادر اليوم 29/15/2008 والمعنون ب(بعد أن خدعت الجميع وأبدت استعدادها لاستقبالهم السلطات المصرية ترجع الحالات الحرجة من جرحى المحرقة وتمنع إدخالهم إلى مصر. وأبو الغيط هذا هو الذي قالت ليفني أمامه وعلى ضفاف النيل عن حماس(إينف. إينف . إينف) وعلق بابتسامة بلهاء، ثم أمسك يدها بشياكة وساعدها على السير النزول. ومنها وقف تنامي قوة الإخوان المسلمين في الداخل المصري، وتعويق حركتهم الإصلاحية، وهو ما اعتبرته الحكومة المصرية هدفاً رئيسياً يستحق تغيير الدستور، وسن القوانين، ونصب المحاكمات العسكرية للمدنيين، وتجييش الشرطة وتسخيرها لتجريد الحملات العسكرية على الآمنين في المنازل والشوارع. والسقوط السلطوي المصري تجلى في عدة مظاهر فجة منها: ـ الصمت على الجريمة الشنعاء، بل وتحميلها مسئولية المذبحة لأنها لم تسمع النصيحة ـ على حد تعبير أبو الغيط ـ فض الله فوه ـ ولم نسمع للرئيس مبارك ولا لولده النجيب تصريحاً واحداً عن الجريمة، خاصة وأن الجناة أصدقاءه وعلى رأسهم أولمرت الذي قال عنه في حواره الأخير لصحيفة يدعوت أحرنوت الصهيونية: (.... وكان دائما عند كلمته وإذا قال كلمة ينفذها، وهذا ما أتوقعه دائما من القادة الإسرائيليين، عندما يعطونني وعدا يلتزموا به ..) ـ غلق معبر رفح قبل العدوان وبعده وحتى الآن، وهو جريمة بكل المعايير، ويعجز الشيطان ذاته عن تبريرها. أطباء الإغاثة وشاحناتهم أما المعبر عقب العدوان مباشر، حمولة الطائرتين القطريتين على الأرض مطار العريش في نفس اليوم، سيارات الإغاثة التي جهزها المصريون من أموالهم احتجزتها قوات الأمن المصرية عند كوبري السلام ومنعتها من المرور تجاه العريش، ضوعفت قوات الأمن المصرية ونصبت مدافعها في وجه القادمين من الجهة الفلسطينية. وادعت مصر أنها تنسق مع الفلسطينيين، ولم تنسق، ماطلت طوال أربعة وعشرين ساعة تقريباً في انتظار مبرر للغلق حتى جاء القصف الصهيوني للمعبر والأنفاق، وظنته الحكومة المصرية عذراً يبيض وجهها الذي احترق خزياً وعاراً. ـ قرد سيده أما الإعلام المصري فهو المسخ اللاهي وقت الجد، والقرد اللاعب بأمر سيده، جاهز لتبرير كل شئ، ومهاجمة أي شئ، وقول كل شئ. تنصب الكاميرات ويستدعى الكذبة والأفاقون بعد أن يشدوا أربطة عنقهم بعناية، ويلبسوا مسوح العلم والحكمة، ليخلطوا الأوراق ويلبسوا المعطيات، ويكافحوا لتغييم الحقيقة. اعتدنا عليهم في التشويش على قضايانا الداخلية، وأوجعتنا كلماتهم وسخريتهم، بلاء نتعامل معه بصبر وسعة صدر، ولكننا لن نقبل أن يسلط هذا المسخ بقنواته التي تمول من دماء شعبنا بطعن طليعتنا المقاتلة في غزة، والتواطؤ مع أعدائنا على أبنائنا وإخواننا في فلسطين. حتى مساء الأحد الدامي كانت القنوات المصرية جميعاً ـ الأرضية والفضائية تبث برامجها التافهة التي اعتادت عليها وكأن شيئاً لا يجري على على بوابتنا الشرقية، تجاهل متعمد يصنف في خانة الخيانة الوطنية وفق الدستور المصري (والشعب المصري جزء من الأمة العربية) المادة (1) الباب الأول. ثم جاء دور الجوقة التي احترفت تبرير السلوك الحكومي وتزيين الخطأ الحكومي، وتحويل الكوارث إلى انتصارات ومكاسب، وإضفاء الحكمة والعقلانية على قرارات السلطة ومواقفها. أين الشيخ ولسانه أحزنني أن يكون من بين الذين استغشوا ثيابهم وغطوا رؤسهم، شيخ الأزهر الشريف الذي لم نسمع له صوت، ولم ينطلق لسانه الذي اعتاد الانطلاق والتفلت بتصريح عما يجري في غزة، أم أنه لم يعلم أيضاً ما يجري في غزة؟! أقول هذا وأنا في غاية الألم ـ خاصة أنني أزهري شرعي وأعلم قيمة الأزهر ومكانته ـ. أقول هذا لأنني كنت أرجو أن يخرج شيخ الأزهر لفتح معبر رفح، لو فعلها لرأى مصر جميعها وراءه، ولعلم يقيناً مكانة الأزهر وعلماءه في نفوس الناس. ماذا لو فعلها حقاً؟ فعلها سلطان العلماء العز بن عبد السلام، خرج من القاهرة بعد فتوى لم تعجب الحاكم المملوكي، فخرج أهل القاهرة وراءه ولم يعودوا حتى عاد بعد إن استرضاه المماليك ونزلوا على حكمه الذي كان خاص بهم، وقاس على نفوسهم. لا وجه للمقارنة. أوان الشعب لن يوقف الصهاينة إلا تحرك الشعب المصري، حركة تجبر السلطة المصرية على تغيير مواقفها، ويرهب الصهاينة على التراجع حتى لا يهيج المارد المخدر ويقلب الطاولة على السلطة الحاكمة في مصر. إن الحركة الشعبية في مصر اليوم هي الغائب الحاسم الذي يخشون حراكه قبل استسلام حماس، ولهذا تحث السلطات العربية المتواطئة الصهاينة على سرعة إنجاز مهمتهم بتقويضها وتغيير الواقع فوق الأرض حسب تعبير ليفني. إن الحركة الشعبية المصرية اليوم هي أمل حماس الذي تنتظره بشوق لوقف نزيف الدم والدمار الشامل لتركيعها وإذلالها. إن الحركة الشعبية المصرية اليوم هي وحدها القادة على وقف الزحف البري الصهيوني الغاشم على غزة، وأعلن العدو الصهيوني بدايته بعد ساعات. إن الحركة الشعبية المصرية اليوم هي المخرج من محنة الاستضعاف التي طال أمدها، وأخرجتنا من دائرة الفعل ومكانتنا في قلب الأمة العربية والإسلامية. اللهم إنا نبرأ إليك من مواقف حكومتنا المخزية.

الأحد، ٢٨ ديسمبر ٢٠٠٨

الحسابات الخاسرة

الحسابات الخاسرة
عندما اختار الشعب الفلسطيني حماس في انتخابات حرة نزيهة شهد لها العالم أجمع، صدمت السلطات العربية لأنها وعت أن التغيير الحاصل بالانتخابات لا يعني مجرد تداول للسلطة بين حزبين سياسيين، ولكنه خيار شعبي للمقاومة ورفض الاستسلام بالواقع الذي أفرزه الضعف العربي، والشتات الفلسطيني، وانهيار فصائل المقاومة القومية المتعددة، وتجرع سم خيار السلام المزعوم. عندها راهن الذين خسروا أنفسهم على تغير حماس، وأن تعاطي السياسة من موقع السلطة يختلف كثيراً عن ممارستها من خندق المقاومة، وخاب ظنهم. رفضت السلطة الفلسطينية المشاركة في الحكومة، وحاربتها منذ اللحظة الأولى لتعويق عملها المستحق شرعياً في إدارة شئون الشعب الفلسطيني، والعمل على إفشالها، ولكنها صبرت ونجحت، وتجاوزت التصريحات والمواقف الغبية. لم يعد أمام السلطة الفلسطينية وداعميها الذين أفقدهم صمود حماس ونجاحها في إدارة شؤون الفلسطينيين، رغم المؤامرات التي كان يحيكها الدحلانيين كل يوم في الشارع الفلسطيني، إلا استخدام القوة، بسلاح صهيوني، وشرعية عربية، لكنها خسرت غزة، وخرجت مدانة لتمارس القهر على شعب الضفة المقاوم. فرضوا على غزة الحصار القاسي، فأغلقوا المعابر، وقطعوا شرايين الحياة، وشاهد العالم أجمع عقاباً جماعياً للفلسطينيين، شاركت فيه مصر بنصيب مساو تماماً لنصيب الصهاينة والسلطة الفلسطينية، وعاش الشعب الفلسطيني في الظلام على الكفاف، وصمد أمام نقص حاجاته الأساسية. حاولوا جر حماس للمفاوضات، والمصطلح عندهم يعني التنازلات وتغيير التوجه، يعني المداهنة وتحويل القبلة، فأبت حماس واعتذرت بأدب جم للسلطات العربية التي تعمل على تركيعها للصهاينة تحت مسميات وطنية براقة. لم يكن أمام الجميع سوى تكسير العظام، ضرب غزة بقسوة لتركع وتستسلم. ليفني في القاهرة في اليوم السابق على الضرب، والتحليل السياسي يربط بين الزيارة والجريمة. تصريحات يهودية تفيد علم بعض القادة العرب بالهجوم على غزة، صادقة أم كاذبة الواقع المؤسف واحد. السلطات العربية تريد تسوية القضية الفلسطينية. السلطات العربية تريد إرضاء الصهاينة والأمريكان. السلطات العربية عاجزة عن التحرك ولو على استحياء لدعم المقاومة. السلطات العربية أعلنت السلام خياراً استراتيجياً ويجب كسر شوكة حماس وتطويعها لهذا الخيار الذي تعجز هي عن سواه. ضربت غزة في (عز الضهر)، ونقلت الكاميرات الضرب الحي، وشاهد كل من له عينين الأشلاء والدماء، رجفة الأطفال هلعاً من قصف ب16 والأباتشي، القتلى والجرحى وهم يحملون بالأيدي وعلى ألواح الصاج، شاهدوا مذبحة مروعة صدمت مشاعر الإنسانية جمعاء. انتظر الصهاينة والسلطات العربية بشغف وتشفي لحظة خروج إسماعيل هنية على شاشة التلفزيون ممسكاً بيد راية بيضاء، وفي الأخرى منديلاً يكفكف به دموع الندم، ويعلن آسفاً أنه أخطأ وأنهم نادمون، وأنهم سيقفون في طابور طويل ليسلموا أسلحتهم، ويفجروا صواريخهم بأيديهم، ويعلنوا توبتهم عن مخالفة الصهاينة المغتصبون، والسلطات العربية الحكيمة. ولكن ذلك لم يحدث. إن الصهاينة ومن وراءهم، والسلطات العربية وأبواقها لم تفهم بعد، ولن تفهم أبداً إلا بعد فوات الأوان. حساباتهم خاسرة. هناك متغير رئيس في الواقع الآن لن يستطيعوا جميعاً تجاهله. حماس ليست مجرد فصيل مقاوم، ولكنها عقيدة تجذرت في القلوب، وخيار للدنيا على الآخرة، وقرار بالحياة الكريمة أو الموت الكريم. لم يقرا الأغبياء هذا في إصرار الجرحى وهم يرفعون أصابعهم بعلامة التوحيد، ولا في كلمات الأمهات الثكالى والأرامل، ولا في الحركة الدءوب في الشارع الفلسطيني تحت القصف،ولا على وجه إسماعيل هنية وهو يلقي بيانه للعالم أجمع في عزة وشموخ. الهجمات الوحشية كافية لإسقاط السلطات الحاكمة، والدكتاتوريات المعزولة عن شعوبها، ولكنها تعجز عن كسر إرادة الشعوب الحية، والشعب المحاصر في غزة يعيش حراً أبياً رغم أنف محاصريه عرباً وعجماً على السواء، وهو في رباط إلى يوم القيامة. الدماء الأبية المراقة لن تضيع هباءً، فكما أحيت القضية الفلسطينية بانتفاضاتها وشهدائها، أحيت الأمة الإسلامية، وأعادت القضية الفلسطينية إلى المربع الأول والصحيح. إنها قضية شعوب وليست قضية سلطات حاكمة. لم يقرا الأغبياء أن دفاع العقيدة يختلف تماماً عن دفاع الوطنية المجرد، والقومية الأجوف، والمذهبية القاصرة. لقد منحت حماس العالم أجمع الفرصة ليروا حقيقة الجهاد في سبيل الله، وروعة العقيدة في صياغة الرجال والنساء والأطفال، والصموالإسلامي أمام القهر والجبروت الجاهلي. هذه حقيقة غابت عن وعي العالم منذ عام 48، باستثناء ومضتها في العاشر من رمضان قبل أن يطفؤها الاستسلام المخزي. لم يقرا الأغبياء أن الأمة الإسلامية حبلى بواقع كريم تعلن عنه شعوبها المقهورة، وأن وقف القدر الإلهي محال على المخلوقين، وأن كل دفقة دم من شهيد تصب في شرايين الأمة، لأن هذه الدماء دماء حياة، لا دماء ممات. إن مذبحة غزة اليوم إعلان بمرحلة جديدة في صراع الأمة مع الصهاينة، جولة جديدة يتراجع فيها الخاسرون، ويتقدم خلالها المجاهدون، وتحسم فيها موازين القوى على الساحة الفلسطينية والإقليمية.
أحمدي قاسم محمد
عضو اللجنة التنفيذية العليا لحزب العمل


الأحد، ١٤ ديسمبر ٢٠٠٨

قراءة في الواقع الفلسطيني


نشر هذا المقال لي علي موقع حزب العمل و شبكة اخباريات

مستجدات الواقع الفلسطيني كثيرة ومتتابعة، ومثيرة إلى حد الاندهاش والصدمة، وتأتي تلك المستجدات كرعد مفزع ينذر بسماء حبلى أوشكت على المخاض.
فعلى الأرض المباركة مازال الصراخ الإعلامي داوياً بين طرفي النزاع ـ حماس وفتح ـ المتناقضين في العقيدة السياسية، والنهج النضالي إذا جاز التعبير على السواء وكأنهما فرسان في مضمارين متوازيين يستحيل التقاءهما عند نقطة ولو في نهاية الأفق.
ففتح تعلن شرعيتها في الوقت الذي تنفيه عن حماس، بل وتوصف حكومتها التي انتخبها الشعب الفلسطيني في أوائل العام الماضي بالمقالة، وتتهمها بالانقلاب على الشرعية الفلسطينية.
هذا في حين تعتبر حماس أن ممارسات قيادات السلطة الفلسطينية وخطها القيادي للشعب الفلسطيني يمثل خطراً على القضية الفلسطينية، وتضييع لثوابتها، وإهدار للحقوق الفلسطينية، فضلاً عن قناعتها بأن القضية الفلسطينية، تخص العرب والمسلمين جميعاً وليست خاصة بالفلسطينيين وحدهم، وتعلل تفردها بالحكم في غزة بالفعل الاضطراري الذي جاء كدفاع وحيد عن النفس لدفع الممارسات الطغيانية عن الشعب الفلسطيني في غزة، وإجهاض استئصالها الذي تدعي أنها تملك الوثائق الدامغة على حقيقته.
والواقع على الأرض أيضاً يحمل نفس التناقض.
فغزة محاصرة فوق الأرض بغلق جميع المعابر، ولا يسمح إلا بالضرورات التي تكاد تحفظ الحياة، فليس الحصار لمنع السلاح فحسب، ولكن لمنع كافة شرايين الحياة حتى تلك التي يحفرونها تحت الأرض يفجرونها فوق رءوسهم ولا يبالوا.
أما في الجانب الآخر فالسلطة الفلسطينية مدعومة مادياً ومعنوياً، فلم يجد قادتها حرج في التصريح بهواجسهم من تأثير الأزمة المالية العالمية على الدعم الأوروأميركي الذي يصب في أرصدتهم بسخاء، والذي تجاوز الاثني عشر ملياراً خلال اثنتي عشرة سنة.
(بلغت المساعدات الدولية منذ عام 1994 م وحتى العام الحالي، للسلطة الفلسطينية 12،505،933،358 دولاراً وذلك بحسب تقريرأصدره المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار (بكدار)، بناءً على دراسةأجراها لمصادر الدعم الخارجي خلال هذه الفترة وتناولت بعديها الكميّوالنوعيّ)[1]
أما الأسلحة فتأتيهم عبر الأردن في أرتال الشاحنات تحت سمع وبصر الجميع، ويدرب الأمريكيون جيش السلطة في معسكرات خاصة بها أيضاً.
أما هنا في القاهرة فطاولة المفاوضات أعدت ليجلس إليها الفرقاء، مع إصرار مصري على التوصل إلى حل نهائي للصراع السلطوي الحماسي، بلغ درجة الإعلان عن مهلة خمسة عشر يوماً للطرفين، وإلا فستضطر راعية المفاوضات ـ مصر ـ لفرض حل على الطرفين.
أما الواقع الإسرائيلي فهو لا يقل غرابة أيضاً، فالحكومة الفلسطينية تستحث المغتصبين في الضفة الغربية للرحيل، وتحفزهم بتعويضات مالية مغرية. في ذات الوقت الذي تسمح فيه لقوات فلسطينية دربها الأمريكيون في الأردن بدخول الضفة على دفعتين حتى الآن ـ الأولى خمسمائة جندي والثانية سبعمائة ـ وهي الآن تقوم بوظيفة حفظ الأمن في الأماكن التي تسلمتها من إسرائيل ـ الخليل ـ.
هذا بالإضافة إلى العمل المحموم في بناء الجدار العازل وإنجازه في أسرع وقت ممكن.
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
هل ستنسحب إسرائيل من الضفة الغربية؟
الإجابة التي يراها الكثير من المحللين إيجابية.
نعم جميع الشواهد والتحركات الأخيرة من إسرائيل والسلطات العربية الفاعلة علناً في القضية الفلسطينية تؤكد أن إسرائيل تستعد للفرار من الضفة الغربية والاحتماء خلف الجدار العازل كحدود إسرائيلية آمنة مؤقتاً لتجاوز المقاومة الفلسطينية التي فاجأتها وألزمتها تغيير سياستها التوسعية وإرجاء تحقيق إسرائيل الكبرى إلى فرصة لاحقة تمنحها إياها المتغيرات السياسية في الشرق الأوسط.
ومن هذه الشواهد.
ــ تصريح أيهود أولمرت رئيس الحكومة الإسرائيلية بأن إسرائيل الكبرى أصبحت وهماً، وزمن الاعتقاد فيها ولى بلا عودة.
(فكرة أرض إسرائيل الكاملة والمتكاملة قد ولت ومن يتحدث عنها يوهم نفسه)[2] وهو تصريح مثير يمثل صدمة قوية أخلت بتوازن أولئك الذين يعتقدون أن الاحتلال الإسرائيلي قدر لا فكاك منه، وعلى العقلاء التعامل معه كواقع لا يمكن تغييره، ومعالجة الأمر بأقل خسائر ممكنة، ودفع الشر الإسرائيلي بقدر المستطاع والمستطاع قليل.
والقراءة الإسرائيلية لمعطيات الواقع تؤكد أنهم يفهمون الحقيقة ويعون تداعياتها، في حين أن الآخرينفي السلطات العربية ـ يخافون من فهم ذات المعطيات، أو لا يملكون الجرأة على القبول بها لأنها تهدم منطلقاتهم وتحرك ثوابتهم التي أسسوا توجهاتهم عليها.
لهذا نجد أولمرت يذهب إلى أبعد مما يتخيل العرب حين يعلن في ذات التصريح أن الوقت ليس في صالح إسرائيل.
(الوقت لا يصب في مصلحة إسرائيل وأن النقاش حول تعويض الراغبين في مغادرة المستوطنات يأتي في التوقيت المناسب)[3]
ــ دعوة الحكومة الإسرائيلية المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية إلى ترك منازلهم والتحول إلى داخل الجدار العازل وتعويضهم بمبالغ مادية رصدتها الحكومة للتعويض.
(ومن جانبه قال النائب الأول لرئيس الوزراء الإسرائيلي حاييم رامون انه بموجب هذه الخطة سيتسلم كل مستوطن يوافق على ترك منزله مبلغ مليون ومائة ألف شيكل.
وأضاف أن الحجم الإجمالي لوضع هذه الخطة موضع التنفيذ يقدر بمليارين وستمائة مليون شيكل.
وذكر راديو إسرائيل انه يستدل من الخطة التي عرضها النائب الأول لرئيس الوزراء الإسرائيلي أن 18 بالمائة من المستوطنين مستعدون للتخلي عن منازلهم لقاء تعويض مالي)
[4]
فبماذا نفسر هذه الخطة الإسرائيلية غير أنها انحسار وتراجع إسرائيلي وشيك للاحتماء خلف الجدار العازل، بعد فشلها في القضاء على المقاومة الفلسطينية ومواجهتها، وإتاحة الفرصة لغيرها ليقوم بهذا الدور القذر الذي عجزت عنه.

يمكن قرأة باقي المقال علي

موقع حزب العمل

موقع شبكة اخباريات

السبت، ١ نوفمبر ٢٠٠٨

إنهم يمسخون المصريين


إنهم يمسخون المصريين

(أوقفت الأجهزة الأمنية المصرية موظفًا "كبيرًا" في إحدى الإدارات الرسمية، وزوجته المدرّسة، بعدما وجّها دعوات عبر البريد الإلكتروني لحفلات جنسية "لتبادل الزوجات"، داخل شقة الموظف في العجوزة)
هكذا جاءت الخبر المبكي نقلاً عن شبكة إخباريات، التي أوردته من جريدة المصري اليوم والمنشور بعددها السبت 25/10/2008 ليصدم مشاعرنا ويطعننا طعنة تشعل أجسادنا ناراً، والمؤلم أكثر أن ذات الفكرة الخبيثة، أو الجريمة البشعة جاءت كخبر أيضاً منذ بضعة أيام لكن من سوريا.
وسوريا مصر في هم حالة الطواريء سواء، ويعانيان مما أفرزته من قذارات وعفن.
والفضيحة القاهرية الجديدة تنصب في وجوهنا علامة استفهام مبدئية عن المسئولية الاجتماعية، وعن الانهيار القيمي، والتراجع الإنساني المخيف في أرض الكنانة خاصة.
أربعة وأربعون أسرة تمارس هذه الجريمة في العاصمة على ضفاف النيل !!!!!
وليس دفاعاً عن ساقطين على طريقة جعلوني مجرماً، ولكن المسئولية الإجرامية لا تنفك عن حكومات العسكر التي فرغت الإنسان العربي من هويته وألقته في العراء بلا سند ليلقى مصير النبت الشيطاني المنبوذ في الصحراء.
ففي في سبيل إرضاء الحلفاء الغربيين الذين مكنوا لهم، وأضفوا عليهم شرعية مزيفة، اعتمدوا سياسات المسخ الإنساني المصري، ورضوا بها نهجاً للمجتمع العربي.
فالتلاعب في العقل المصري، وتغيير توجهاته وقناعاته السياسية، وأسلوبه الحياتي اليومي، ورؤيته للآخر العدو المغتصب، وتطلعاته الفردية والجماعية، كان الشغل الشاغل للسياسات التربوية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية، بل وأيضاً صياغة الدساتير والقوانين الحاكمة للمجتمع، ووظيفة الشرطة والجيش معاً.
الحذر السلطوي المصري من استعادة الأمة للرؤية الصحيحة للإسلام لم يكن مبالغاً فيه ، ولكنه جاء موافقاً للهلع الفرعوني من موسى عليه السلام.
وفي غمار حربها المحموعة على الإرهاب ـ كما يدعون ـ داسوا الإسلام وحاربوه بشراسة على كافة المحاور، بدءً من تجفيف المنابع، نهاية بالقهر والسحل وتشييد قلاع الحبس والتعذيب.
عندما يولد الطفل في ظلمة الخرابات وقذارتها، فمن الطبيعي ان يألف بيئته، ويستانس بمفرداتها، وتكون لها الدور الأول والفاعل في تشكيل مكوناته الثقافية.
أخشى ان أقول أن الإنسان العربي في ظل السلطات المغتصبة للسلطة والثروة، طفل شوارع، إنسان مطموس الملامح، ليس أمامه سوى البحث عن ملامحه، وخياراته في زحمة الميادين المكتظة، ودروب الحارات والأزقة، وعلى الأرصفة العارية.
جاءت الفكرة إلى الموظف الكبير الذي قارب الأربعين من مشاهدة فيلم إباحي مع زوجته، عرض عليها فكرته التي أوحى إليه بها الشيطان، فوافقت.
وجه الدعوات وزوجته، فوافقه ثمانية وثمانون رجلاً وامرأة في ثلاثة شهور فقط، ومن محافظتي القاهرة والجيزة فقط.
أين تعلم هذا المسخ المصري ـ زوجاً أو زوجة ـ الحرام والحلال؟ ما يأمر به الدين وما ينهى عنه؟ ما يصلح الإنسان وما يفسده ويدمره؟
فالمساجد تحولت إلى مصالح حكومية، فلم تعد مؤهلة لتقديم الإسلام للناس، فالخطباء ـ في معظمهم ـ مجرد موظفين حكوميين يؤدون أدواراً محددة، منها إيهام الناس بأنهم علماء، وأهمها المنع والإبلاغ عن كل من يمارس أي نشاط فردي او جماعي داخل المسجد ـ المصلحة الحكومية ـ
والمدارس تجردت من المعلمين القدوة الأكفاء بفعل الترهيب والافقار والممارسات الأمنية القاسية التي تحول دون تعيين المتدينين، والمناهج خاصمت الدين، بل وناقضته، وتحولت مادة التربية الدينية إلى مادة هامشية لا قيمة لها ولا درجة، ومضمونها الدراسي لا يحمل سوى توجيهات عامة، وآداب وسلوكيات، لا تصلح لتربية إنسان سوي، ولا تنتج بدون رؤية عقيدية سليمة مسبقة، وقاعدة إيمانية تربط المتلقي بربه ـ عز وجل ـ.
ومؤسسات إعلامية صممت للإلهاء والتغريب، وتتفنن في إثارة الغرائز، ومداعبة الشهوات، وتعرض الدنيا كمغنم يتسابق إليه العقلاء، ولا فوز بعدها، وتؤصل الفردية والأنانية، وتطرح البرجماتية أسلوباً للثراء والتفوق، فينشأ الفرد مؤسسة قائمة بذاتها، جزيرة معزولة، همج لاهث في ممر ضيق لا يرى أي من المهرولين على دربه إلا نفسه.
أما القهر والتسلط والحرمان من الحقوق الإنسانية، فضلاً عن المواطنية، فهو هم الممارسة اليومية، التي تبدأ بدعاء الصباح المصري( اللهم قنا شر الشرطة، وأبعدهم عنا واستر علينا وإلا فنحن الخاسرون) ثم يخرج فيمشسي بهدوء وحذر(جنب الحيط).
فإذا التقطته يد رحيمة مشفقة فذاق حلاوة الإيمان، وجاهد ليرى بنور الله، أرهبوه وأهله، واقتادوه مكبلاً إلى الزنازين، وجرته الكلاب الآدمية للمثول بين يدي من هم أقسى منهم قلباً، وأعلى منهم رتبة، فإذا انكسر، خرج مهزوماً ليست لديه رغبة في الفعل ولا حتى في الحياة ذاتها.
وإذا كان النور قد تمكن من قلبه، واستقرت بشاشة الإيمان في روحه، فعليه ان يعيش قدره المحتوم، فيصبح في العرف السلطوي إلى أدنى من جنسية البدون، ويعاني ما يستحقه من العنت والحرمان هو وكل من قاربه ـ ولو عن بعد ـ نسباً وصداقة وجواراً.
لهذا أبرزت لي ذاكرتي صورة ارشيفية لذلك المسجل الخطر بلدياتي الذي التقيته في أحد مرات سجني، وأثارني حياءه وهدوءه وصمته المتواصل على عكس طبيعة المجرمين، رغم أنه أشرسهم واعتاهم عندما يستفز.
ولما أثار فضولي سألت زميلاً له فقال: (أصله كان شيخ، وحفظ من القرآن حتى سورة القصص، ولما خوفوه في امن الدولة أراد أن ينفي عن نفسه التهمة فجلس على المقاهى، وانزلق إلى المخدرات والباقي تعرفه).
فهل صديقي المسجل خطر جان أم مجني عليه؟
وهل هؤلاء الذين انسلخ من إنسانيتهم جناة أم مجني عليهم؟
وهل المصريون القابعون في هلع بعيداً عن دائرة الفعل جناة أم مجني عليهم؟
الذي أعلمه يقيناً أن الحكام مغتصبوا السلطة والثروة وكافة من عاونوهم مسئولين مسئولية مباشرة عن انهيار المجتمع المصري.
والذي أعلمه يقيناً أن كل من وهبه الله تعالى الفهم الصحيح للإسلام سيشهد عليه علمه الذي حبسه في صدره، أو قعد به رهبة او رغبة.
الذي أعلمه يقيناً أن الخيار الوحيد الآن هو إعادة بناء الأمة وفق المنظومة الربانية، ولا أجر ولا عزاء للقاعدين.

الأحد، ٢٦ أكتوبر ٢٠٠٨

المواطن ....... صفر

المواطن ....... صفر

أفزعتني الأرقام التي ذكرها محسن السكري ضابط الشرطة المصري السابق والمتهم بقتل اللبنانية سوزان تميم أثناء تحقيقات النيابة المصرية معه حسب ما أوردتها جريدة الراي يوم الخميس 23 ـ 10 ـ 2008.

وأزاحت اعترافات السكري الستار الكثيف الأسود عن الحقيقة البشعة لتحالف رجال الأعمال والسلطة في مصر، وحياتهم المستهترة التي تنفي الوطنية والإنسانية معاً خلف أسوار القصور والفيلات الأسطورية التي يختبئون فيها عن عيون الفقراء التي غارت في أحداقهم العظمية.

ومدي التردي الذي انحدر إليه التحالف الشيطاني البغيض، وكيف توحش إلى الحد الذي استهان به بكل شيء، ووقف في أوسع ميادين القاهرة عرياناً مخموراً لينادي بأعلى صوته (أنا جدع).

وفجرت في أذني صرخة المصري البسيط الذي ضاق بمصروفات ولده الجامعي فانطلق لسانه بجنون:

(الفلوس مبقطعهاش من الجبل، ولا عند أمك مطبعة تحت السرير، دا مرتب شهر كامل للبيت كله خلص في نص شهر حرام عليك. اتق الله)

ولا أعرف يقيناً هل ترك الشاب المسكين الجامعة ليغسل الأطباق في محل كشري، أم اختصر رحلة العذاب وألقى بجسده في النيل.

فالسكري وهو يدرأ عن نفسه تهمة القتل، اعترف بأنه اشترى كوكايين ودسه في برواز لتلفيق قضية مخدرات لتميم.

وذهب في رحلة تحريات عن المغدورة إلى اوروبا استغرقت عشرة أيام استحق عنها مكافأة مسبقة 20 ألف جنيه استرليني.

واتفق على خطف تميم من لندن وإحضارها إلى القاهرة حسب نص اعترافاته في النيابة:

(هو كان المفروض إن أنا كنت هاجيب ناس في لندن ينفذون العملية دي مقابل مليون جنيه استرليني)

والجائزة الكبري التي حصل عليه السكري مقابل قتله تميم كما جاء في استجوابه بالنيابة العامة:

(كان المقابل هو 2 مليون دولار.
وأين يوجد ذلك المبلغ؟
-
المبلغ ده موجود في شنطة حمراء جلد موجودة في شقتي اللي في مدينة الشيخ زايد عمارة 528 الدور الرابع شقة 19.
وهل بوسعك تقديم ذلك المبلغ؟
-
الشنطة موجودة في الشقة عندي ومستعد أرشد عنها وأقدمها للنيابة)

وإمعاناً في إزاحة حبل المشنقة عن عنقه لا يتورع الضابط السابق الذي لم تستوعب وزارة الداخلية مواهبه بعد أن فجرتها بالتعليم، وصقلتها بالخبرة، أن يعترف بأنه كان يبتز هشام طلعت ويسخر منه حسب قوله:

(وأنا كنت باشتغله علشان آخد منه فلوس، وإنما كان مفيش فريق معايا ولا حاجة، وكل الحوارات دي أي كلام، وده واحد أنا باخده على قد عقله، وباخد منه فلوس وخلاص، وأنا ماقتلتش اللي اسمها سوزان دي)

فهل كانت هذه الفلوس التي يبددها الملياردير المصري فلوسه، أم أنها دماء الشعب المصري التي مصوها حتى أصبح 60% منه تحت خط الفقر.

وإذا كان الملياردير المصري أنفق كل هذه الأموال وهو ساخط على امرأة واحدة، فكم أنفق عليها عندما كان راضياً عنها؟!

ويعجز خيال الفقراء أمثالي عن تصور حجم الإنفاق الذي تبذله أيدي هؤلاء السفهاء على النساء، فضلاً عن إنفاقهم العام شهرياً.

وهذا يجعلنا نتساءل عن حجم الأموال التي تصب شهرياً إن لم يكن يومياً عبر تسهيلات رجال السلطة الذي يحمون الممولين الأسخياء.

ويوجه السكري الاتهام مباشرة إلى رجال السلطة الحاكمة في إشارة فاضحة للفساد الذي استأسد على المصريين وأخرج لهم لسانه متحدياً.

يقول السكري:(وبعدين أنا قلت لهشام الكلام ده ماينفعش لأنه هاينكشف لأن الموضوع بلدي، مع أنه قاللي إن السلطات المصرية كانت هتساعده في دخولها البلاد)

اهتاجت نفسي وارتعشت عندما نصبت لي ذاكرتني صورة بلدياتي الفلاح الفيومي الفقير الذي يأس من البحث عن عمل لكسب قوت عياله بعد أن رحل إلى العاصمة، فشنق نفسه بحبل في كوبري فيصل بالجيزة وتأرجح فيه حتى الموت.

ولا عزاء للفقير الذي جاءني لأتوسط له في الحصول على شقة إيواء لتستره وأبناءه الأربعة وأخته المطلقة وطفليها، بعد أن داخوا على مكاتب المحليات بدءً من السيد المحافظ حتى المدام مسئولة الوحدة المحلية، والتي انتهت بالضحك على ذقنه بأن المواطن المسكين أضيف إلى قائمة الانتظار، وهي صيغة يدغدون بها أعصاب الفقراء حتى يتحلوا باليأس والاستسلام، أو يريحهم الله من عذاب الدنيا، أيهما أقرب.

هذه هي مصر التي سرقها العسكر ومازالت تتلمس المخرج من متاهتهم التي أرهقوها فيها بحالة الطواريء، ومازالوا يفعلون، وستبقى مصر ألعوبة في أيدي الطغاة حتى إشعار جديد بإعادة الحياة لهذا الشعب بإطلاق حريته، وعودته إلى الحياة الإنسانية الطبيعية.

وهو اتجاه إجباري لا خيار معه، والحياد عنه يعني صفراً.

وبخبرتي كمدرس رياضيات سابق أعرف يقيناً المعادلة من الدرجة الصفرية التي تقول أن سبعين مليون صفر تساوي صفر.

أحمدي قاسم محمد

باحث وأديب مصري