الثلاثاء، ١٦ مارس ٢٠١٠

تنويعات على حكاية المواطن طه عبد التواب

تنويعات على حكاية المواطن طه عبد التواب

(1)

أنهى الدكتور طه عبد التواب اليوم الأحد 14/3/2010 إضرابه عن الطعام الذي تواصل على مدار أسبوع، قضى نصفه مضرباً تماماً عن الطعام والشراب والماء والتغذية عبر الوريد حتى أشرف على الموت، ولكنه كان خلال هذا الأسبوع أشهر مواطن مصري على الإطلاق، لأنه أصر على أنه صاحب حق في أن يعتنق الفكر الذي اقتنع به، وأنه يجب عليه أن يقول ما يريد بحرية، وان يتحرك فوق أرضه كمواطن له كامل الحقوق الإنسانية والمواطنية التي كفلها الدستور المصري، وانه يرفض ممارسات السلطة الحاكمة في مصر ممثلة في أجهزتها البوليسية الباطشة.

أعرف طه عبد التواب، أو الدكتور طه عبد التواب، كواحد من أبناء مدينتي الطيبين، وجهاً من وجوهها المحبوبة.

فهو شاب مصري بسيط، لم يشتغل يوماً بالعمل السياسي، فهو لم ينتسب طوال حياته لأي من الأحزاب المصرية، وإن كان يتابع مثل كل أبناء وطنه سير الأحداث التي تؤكد تراجع الوطن مع كل قرار حكومي، وممارسة من حزبها المهيمن على السلطة باحتكار يحسده عليه الدكتاتويات في العالم، ومعظمها نشأ وترعرع فوق الأرص العربية.

عرفت هذا المواطن البسيط المنهك بين عمله الحكومي الذي ذاق فيه مرارة قهر الوظيفة الميري، وقاسى حظاً وافراً من الظلم والاضطهاد لمجرد أنه كان يريد أن يفعل الصواب، وان يقدم الخدمة الطبية اللائقة بمريض التأمين الصحي في مصر، وبلغ مرحلة من اليأس اضطره إلى الحصول على إجازة بدون مرتب اعتقد أن هذا حدث منذ ثلاثة أعوام تقريباً.

والدكتور طه ـ حسب علمي ـ لم ينل يوماً شرف التسجيل في أمن الدولة، ولم يحظ بشرف المثول بين أحد من أشاوس أمن الدولة الذين يظنون أنفسهم حكام مصر الذين يفعلون ما يشاءون، ولا يسألون عما يفعلون،.

(2)

يمكنني بحكم الخبرة الطويلة مع ضباط امن الدولة، أن استشف سيناريو الواقعة، لأنه حال المواطن اليومي مع ضباط الشرطة وخاصة أمن الدولة.

أظن أنه عندما دخل د. طه على الضابط، رأى الأخير في سمته الطيب ضعفاً، وفي قسماته المرتخية خوفاً ورعباً من هيبة الضابط البطل الشجاع، واستشعر من صمته وهدوئه دعة وخنوعاً، وويل لمن قرأ ضابط الشرط في وجهه واحدة من هذه العلامات، لن يمنح الفرصة ليبلع ريقه، أو يمهل لحظة ليفهم ما يجري.

فالاستقبال دائماً يكون بسيل من الشتائم الحقيرة بالأم خاصة، والجمل الحارقة التي تهدر كرامة الإنسان، ويقف المواطن مذهولاً من همجية الجسد المحموم المتفجر أمامه بدون جريمة أو مبرر.

وقبل أن يستوعب المواطن المسكين ما يحدث، وغالباً ما يصاب بالشلل من هول ما يسمع، يشير الضابط إشارات ذات مغزى لآلياته البشرية، فيشتعل جسد المسكين الواقف عزلاً ناراً بفعل الأرجل والأقدام والعصي وأحياناً أسلاك الكهرباء المجدولة و........

وغالباً لا يتعدى رد فعل الضحية المسكين التساؤل عن جريمته التي لم يمهله أحداً معرفتها.

وعند انتهاء جريمة الانتهاك والسحل ـ وهي غالباً لا تنتهي حتى يشعر الزبانية بالإرهاق ـ يكون الضحية قد فقد

القدرة على السؤال، وكف رغماً عنه عن الصياح والاستنجاد، وأحياناً التوسل، إلا بعد أن أصبح جثة محطمة تسيل منها الدماء، وتعلوها السجحات والتورمات، ويشعر صاحبها بأن جميع عظامه تحطمت وليست كرامته وإنسانيته فحسب.

النفس المكومة فوق بلاط الغرفة البارد، تتجرع مرارة الظلم والقهر، وتعايش معنى العجز وقهر الرجال، ويسطع رد الفعل المباشر في الوعي المهزوم عن الكراهية، وإذا كان الضحية شاباً صغيراً قد يسأل عن حقيقة إسلام هؤلاء الذين ينتهكونه؟ أو تطبق على رئتيه علامة استفهام بوزن جبل عن سر ما يفعلونه به وهو مواطن مصري شريف لم يخن الوطن ولم يخالف قانونه؟

أعتقد أن هذا هو ما حدث مع د. طه أو قريباً منه، فلا استجوابات حقيقية، ولا قضية، ولا تسجيل في دفاتر يحاسبون عليها، وأعتقد أنه أيضاً لا يوجد تحرير لوقائع مقابلة.

ولهذا قرر الرجل الطيب الإضراب عن الطعام والشراب حتى الموت، ورفض تنفيذ أمر النيابة العامة بإجباره على تناول التغذية بالمحاليل، وهبط السكر في دمه إلى أقل من ثلاثين، ودخل في حالة غاية في الحرج، ولم تجر في عروقه إلا بعد أن أفقده الوهن الجسدي القدرة على المقاومة.

إنها كراهية المواطن البسيط للحياة بعد صدمة معايشة واقعنا الأليم.

(3)

الدكتاتوريات تستنسخ آليات بشرية، هجين آدمي تم تشكيل عقليته ومكونه الثقافي للعمل كجسد بدون عقل حاكم، تمت برمجته على طاعة الأمر وتنفيذه، ولهذا يتم تجفيف روافده الفكرية والذاتية، ويصبح تنفيذ الأمر عنده يعني حياته التي لا يعرف غيرها، وفي مقابل هذا يمنح سلطات واسعة، فأعظم معضلة تذلل بمكالمة تليفونية ولو كانت فيها مخالفات قانونية أو دستورية، وتكفيهم جملة "دواعي أمنية" لتجاوز قرارات من يملك سلطات رئيس الجمهورية في المحافظة فضلاً عن مرءوسيه.

أحد هؤلاء الضباط وهو لا يزال يعمل بمكتب أمن الدولة بالفيوم حتى الآن، استدعى جميع المدرسين المكلفين بالملاحظة في امتحانات الثانوية العامة بإحدى مدارس بني سويف ـ موطنه الأصلي ـ في إحدى السنوات إلى مكتبه بأمن الدولة بالفيوم، وأبلغهم بأن ابن أخته طالب يمتحن في المدرسة التي هم ذاهبون إليها، وهددهم من فوق كرسيه وهو جالس يشرب عصيره ويأكل الشيكولاتة، إن لم يساعدوه بغض أنظارهم عن الإجابات التي سترسل إليه من خارج اللجنة، وإلا .........

احتسب أكثرهم موقفهم عند الله، وأقسم أحدهم أنه لن يذهب للملاحظة وأبلغ القومسيون الطبي بمرضه، وأصيب بحالة قرف لفترة طويلة.

إلى هذا الفصيل العنيد ينتسب د. طه عبد التواب.

(4)

عندما علمت بالواقعة سألت محامي د. طه عن مدى قوة بلاغ النيابة القانوني؟

نظر إليَّ مندهشاً وقال:

ـ أنت بتسألني ما أنت عارف، المحضر إداري، ولا يوجد شهود، ومصيره الحفظ كسابقيه، ولن تستدعي النيابة الباشا، وإن تجرأت سينفي بقوة وقد ينفي الواقعة من أساسها، التحقيق القانوني العادل مع ضابط شرطة لن يحدث في ظل حكم الحزب الوطني الدكتاتوري، لأنه الآلة البشرية التي مكنت هذا الحزب من سرقة السلطة في مصر وترتزق من حمايته.

ـ قلت له: التحقيق القانوني وإن كان حقاً لن نفرط فيه، إلا أن الفضيحة واجبة، والدفاع عن الحقوق والموت في سبيلها شهادة.

ـ قال وهو يضحك بقوة: الحكومة متجرسة ولا تختشي، والراقصة لو استحت ما تعرت وما كشفت عن جسدها وهزته أمام عيون الناس.

الدرس البليغ الذي يجب أن يتعلمه كل مصري من د. طه عبد التواب، ذلك الشاب طيب القلب، أن قامته القصيرة قد استطالت حتى رآها جميع المصريين رمزاً للحرية، وأن هذا هو طريق الخلاص، الإصرار على الحق، وحياة الحرية مهما كلفنا ذلك من قسوة، فإن عشنا عشنا أحراراً، وإن متنا دون ذلك سنلقى رباً راضياً، ونترك وراءنا جيلاً تعلم كيف تكون الحياة.

(5)

هل أصبح تأييد د. البرادعي جريمة قانونية؟

فالرجل مصري أصيل، وعرضت عليه النخبة المصرية قيادة المعارضة بما له من ثقافة قانونية، وخبرة في الإدارة العالمية، وعلاقات دولية واسعة، هذا بالإضافة إلى انه بارقة أمل سطعت في سماء مصر الملبد بالغيوم، ورمز للخلاص من حالة التردي التي انزلق إليها الوطن.

أليس من حق مواطن مصري بسيط أن يحلم بدولة مصرية تحكمها مؤسسات علمية متخصصة، ولها مرجعية قانونية واضحة الملامح تحكم آليات العمل الفردي والجماعي؟

إن لكل مواطن مصري كامل الحق في أن يعتنق ما يشاء من أفكار، ويعبر عن أفكاره بكافة الوسائل الشرعية، وينتمي لأي من التيارات والقوة الشعبية التي يعتقد أن نصرتها في صالح وطنه بلا غضاضة أو خوف على نفسه أو رزقه أو مستقبل أبنائه.

وأن ممارسة هذا الحق هو الضمان الوحيد لتحقيقه في واقع الجماعة المصرية، وتحويله من عمل فردي يكلف الدفاع عنه الإشراف على الموت، إلى حياة يومية يتمتع بها المواطنون المصريون الذين لا يعرف معظمهم أن لهم حقوقاً إنسانية ومواطنية مغصوبة، وأنهم يعيشون القهر الذي يحول بينهم وبين المشاركة في إدارة شئونهم الداخلية والخارجية.

(6)

كان المقزز أن يبرر ضابط أمن الدولة انتهاك كرامة المواطن د. طه عبد التواب، باتهامه له بأنه من الإخوان المسلمين، وأن الإخوان وراء تضخيم هذا الحدث، وكأنه لم يرتكب جريمة بشعة، وكأنه ليس هو صانع الحدث الجريمة، وكأن الإخوان أصبحوا فزاعة في الداخل والخارج، وكأن الانتماء للإخوان المسلمين أصبح جريمة تسقط حقوق المواطنة، وتهدر إنسانية المواطن.

وكأن الإخوان المسلمون أصبحوا بني إسرائيل في قبضة فرعون يتحكم في مصائرهم، وينتقص حقوقهم، ويفعل بهم ما يمليه عليه وهمه، وما تمور به نفسه من هواجس وأراجيف.

ويأتي الضجيج الإعلامي الموجه والمتواصل ضد الإخوان المسلمين ليصب في هذا الاتجاه بقوة، ليرسخ في وعي الناس أن ما يجري على مدار الساعة من انتهاك لحقوق الإخوان المسلمين حق طبيعي للسلطة، وممارسة يومية عادية، بالمنطق الفرعوني الطغياني: " وإنا فوقهم قاهرون"، وحتى ينسى الناس حزمة من الحقائق أصبحت مجهولة، أو شبه مجهولة في الوعي الجماهيري المصري منها.

ـ أن الإخوان المسلمين هم أقدم قوة شعبية فوق الأرض المصرية والأمتين العربية والإسلامية، فهم الهيئة

الشعبية الوحيدة التي ظلت قائمة بدون انقطاع منذ عام 1928 إلى يومنا هذا، في حين أصبحت

جميع التشكيلات الشعبية والسلطوية بلونيها الأبيض والأسود التي عاصرتها جزءً من التاريخ المصري.

ـ أن الإخوان المسلمين هيئة شعبية أصيلة في هذا الوطن، وأنهم مكون رئيس في الجماعة الوطنية

المصرية، وأنهم كيان شرعي وقانوني، ولا يحق لسلطة ما أن تنفي عنهم، أو تسحب منهم، أو تنتقص

حقوقهم.

ـ أن الإخوان المسلمين هم أكبر كيان شعبي منظم في مصر، وهم الكيان القادر على الفعل والترجيح

وحسم الخيارات في أي ممارسة حرة فوق أرض الوطن، وأنهم رقم له ثقله وتأثيره في معادلة الإصلاح

والتغيير في مصر، وهذا ما يفسره بجلاء موقف السلطة الحاكمة منهم.

ـ أن الإخوان المسلمين كهيئة شعبية منظمة، قوة مصرية يجب البناء عليها، ودعمها بقوة لأنها تمثل

الحصن الجماهيري الأخير الصامد في وجه المشروع الصهيوأمريكي الجاري تنفيذه فوق أرض مصر،

والذي نجني ثماره المرة اليوم بعد تحطيم القوى المصرية بشرياً ومادياً، والقضاء على الدور المصري

العربي والإقليمي والعالمي.

ـ أنهم المؤسسة الشعبية الوحيدة التي عجزت السلطة الحاكمة عن اختراقها وإفسادها في مصر، وهم

يدفعون فاتورة باهظة في سبيل الحفاظ على نقاء فكرتهم التي اعتنقوها، ووحدتهم التي يتشبثون بها.

ـ أن العمل على إضعاف الإخوان المسلمين في مصر جريمة في حق الوطن قبل أن تكون قضية انتقاص

للحقوق الإنسانية والمواطنية، وأن الأحزاب الورقية التي نصبتها السلطة كخيالات المآتة أكبر

الخاسرين، وأن رضاها القيام بدور الدمية المعارضة من حجر السلطة الحاكمة، لا يدعم الوطن، وأن

صمتها المخزي على ما يجري بحق الإخوان المسلمين جريمة وطنية تصب مباشرة في مصلحة السلطة الحاكمة التي سرقت الحكم في مصر، وعكست اتجاه الوطن.

(7)

يعتبر البعض طه عبد التواب محظوظاً لأن اللحظة التاريخية التي وافقت حادثته ألقت بقعة كبيرة وساطعة من الضوء على قضيته، رغم أنها قضية عادية في مصر، وممارسة يومية لأمن السلطة الحاكمة.

قد يكون هذا حق.

ولكن الحق اليقيني أن هذا الحظ لم يكن له قيمة بدون وقفة الرجل وإصراره على حقه.

لقد اكتسب موقف د. طه عبد التواب قوته، ووجد له أنصاراً دعموا بقوة، وآخرون ألهمهم موقفه الكثير من الشجاعة والإصرار على انتزاع الحرية، والإصرار على الحياة الكريمة في وطن قوي عزيز.

هنا تحول الرجل الذي انتهكت حقوقه إلى رمز وطني.

هنا أيضاً يجب أن نقف أمامه ونقدم له تعظيم سلام، نقول له:

شكرا د. طه، شكراً لكم، وعينا رسالتكم البليغة، لن نسمح لأحد بانتقاص حقوقنا الإنسانية والمواطنية بعد اليوم، سندافع عنها حتى لو أشرفنا على الموت.

وعينا رسالتكم كما وعاها عبد الرحمن يوسف أثناء زيارتكم في المستشفى وعبر عنها ببلاغة الشعراء:

(أن هذه ليست حالة إنسانية بل هي قضية سياسية شكلاً وموضوعاً ونريد أن نثبت أننا تلقينا رسالة السلطة وقرأناها واستوعبناها ومزقناها، وبدورنا نرسل رسالتنا وخلاصتها أن هناك قواعد جديدة للعبة وأن عهد التنكيل بالناشطين بدون ثمن قد انتهى إلى الأبد)

وكما أعلنتم أنتم أيضاً د. طه في بيان إنها الإضراب اليوم بقولكم:

(أؤكد لكل مواطن مقهور من أبناء شعبنا العزيز أن قطار التغيير قد بدأ ولن يوقفه أحد وأن حقوقنا

المسلوبة ووطننا المقهور لابد أن يعود إلينا مرة ثانية لنعيش فيه حياة كريمة بلا إهانات وبلا استبداد وبلا أزمات متلاحقة .

كما أؤكد لمن ظنوا أن هذا الشعب قد مات ورضي بالإهانة والذل أن زمن الإرهاب والظلم والقهر والاستبداد قد انتهى إلى غير رجعة وأن حاجز الخوف الذي أرادوا تربيتنا عليه منذ عشرات السنين قد انكسر تماماً ولن تعود عقارب الساعة إلى الوراء وأهمس في آذانهم أن يعودوا لخدمة شعبنا وحمايته بدلاً من أن يكونوا أداة في يد ساداتهم وكبرائهم لإذلالنا وإرهابنا)

الجمعة، ٢٦ فبراير ٢٠١٠

جدار المهزومين وصراع الإرادة

جدار المهزومين وصراع الإرادة
الجدار الذي تغرسه الحكومة المصرية في باطن الأرض على طول الحدود مع غزة بعمق ثلاثين متراً، ويسمونه يالجدار الفولاذي، لا يعبر عن قوة مصر، ولا يعبر عن قوة حلفاء سلطتها الأمريكان والصهاينة، ولكنه يعلن بفصاحة مثيرة عن عجزهم أمام قطاع غزة، فالصراع ليس على معبر، ولا على حفر نفق، ولكنه صراع إرادات.
في الناحية المظلمة إرادة الصهاينة ومن ورائهم الأمريكان والاتحاد الأوروبي.
إرادة الصهاينة العرب الذين اخضعوا شعوبهم وأخرجوها قسراً من دائرة الفعل والمشاركة، والتقوا مع أعداءهم في العراء بلا ظلال ولا أقنعة.
أما في جانب النور والإشراق، إرادة شعب غزة الذي اختار المقاومة.
هذه هي الحقيقة المجردة، أو هذه هي اللعبة القذرة التي يمارسها أعداء الأمة هنا وهناك.
بدأت مؤامرات الصهاينة العرب على خيار المقاومة بانقلاب عسكري مباغت للقبض على قوة حماس بليل، والطغاة لا يعدمون المبررات، والعالم الغربي سيتفهم حتماً دوافعهم، بل إنه الدافع الحقيقي وراء الفعل السلطوي الغادر.
فلما أحبط الله مكرهم وفروا مذعورين إلى الضفة، ولول الصهاينة العرب وزعموا انقلاباً على الشرعية، وهم الذين كانوا يعلمون بمؤامرة الانقلاب على الشرعية التي تحيكها السلطة الفلسطينية، وإذا افترضنا حسن النية، فقد علموا بعدها، وعلموا يقيناً ما هو أسوأ منها، كمخاطر السلطة الفلسطينية على دول عربية في مقدمتها مصر.
وقدمت حماس وثائق التآمر، طلبت إجراء تحقيق عربي، فلعق الصهاينة العرب خزيهم، وهزوا أكتافهم، ومروا مرور الضالين الأغبياء، صم بكم عمي فهم لا يعقلون.
ودارت آلة الإعلام الرهيبة لتشويه حماس، وبدأ الحصار عبر الحدود، فغلقت جميع المنافذ، وحرموا حاجاتهم اليومية الإنسانية، فصبروا وأكدوا خيارهم للمقاومة.
أدخلوهم في متاهات المفاوضات، أو المساومات وما يمارسونه من ضغوط بالترهيب والترغيب، أو العصا والجزرة، ولكنهم صدموا بصلابة الرجال، ووعيهم لألاعيب الثعالب، وإدراكهم لمرامي الذئاب.
فلما عجزوا عن مجاراة الرجال، وثبت لهم يقيناً أنهم نوع لا يعرفونه من رجال العقيدة الذين باعوا أنفسهم لله، ولا تشغل الدنيا في قلوبهم مثقال ذرة، وأنهم صادقون قلوباً وألسنة، انتقلوا إلى مرحلة النار، فتحركت الآلة العسكرية الصهيونية لتذيق غزة ويلات القصف بألوان القذائف والفوسفور الأحمر تحت سمع وبصر العالم، وانتظر الصهاينة العرب بشغف لحظة الاستسلام، وأعدوا طلائعهم المتعطشة لدماء المجاهدين، ولكن الله أبى فارتدوا على أعقابهم خاسرين.
وتواصل الحصار الظالم، أو جهد العاجز الذي فضحته المقاومة، وأذله صمودها، وكاد عقله يطيش من تأثيرها الموقظ للشعوب.
رغم كل هذا ظل المقاوم ثابتاً لا يلين، وقفة مدهشة تهز إنسانيتنا بقوة، إنهم رجال مثلنا ولكن المحنة صاغتهم بقوة أصحاب محمد .
وسمع العالم صوت أطفال غزة ونساءها وهو يعلن خيار المقاومة ويظاهر حماس، وكان علينا أن نحترم خيارهم وإرادتهم، ولكن الصهاينة العرب إزدادوا إصراراً على كسر غزة لصالح الصهاينة.
قديما انتصرت إرادة آبائنا الذين نسلك على دربهم.
انتصرت إرادة بلال على إرادة أمية وأبي ابني خلف، انتصرت إرادة العبد الذي يملكه سيده ولا حيلة له معه، وعجز من كانت له الوجاهة والتملك والقدرة على الفعل.
(وكان بلال مولى أمية بن خلف الجمحي، فكان أمية يضع في عنقه حبلًا، ثم يسلمه إلى الصبيان، يطوفون به في جبال مكة، ويجرونه حتى كان الحبل يؤثر في عنقه، وهو يقول: أحَدٌ أحَدٌ، وكان أمية يشده شدًا ثم يضربه بالعصا، و يلجئه إلى الجلوس في حر الشمس، كما كان يكرهه على الجوع. وأشد من ذلك كله أنه كان يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في الرمضاء في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك: أحد أحد، ويقول: لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها.
ومر به أبو بكر يوما وهم يصنعون ذلك به فاشتراه بغلام أسود، وقيل: بسبع أواق أو بخمس من الفضة، وأعتقه)
وانكسرت إرادة عمر يوم كان مشركة، أمام أمة فقيرة يملكها قومه بني عدى، وظل يعذبها حتى مل منها، وهي قوية صابرة تتحدى قسوة وغلظة عمر.
(ورووا أن أبا بكر مر بجارية لبني عدي بن كعب، وعمر بن الخطاب ـ قبل إسلامه ـ يعذبها على جمر الصخور الملتهبة بالقيظ ليفتنها عن دينها فما زال يضربها حتى ملَّ فكف عنها وهو يقول لها: إني أعتذر إليك فلم أتركك إلا عن ملالة.
وألح أبو بكر على عمر حتى باعه إياها)
صراع الإرادات محسوم مهما بدا للناظرين، لا توجد قوة مادية قادرة على هزيمة العقيدة، ورجال العقيدة يعلمون أنهم فائزون بإحدى الحسنيين، وأنهم يقاومون ليحيوا حياة كريمة في الدنيا، أو عند ربهم يرزقون، ولا ثالث لهما في حساب الرجال.
أما الآخرون فهم خاسرون في الدنيا والآخرة، والتاريخ الذي يتوج أحمد ياسين وأبناءه بتاج الرجولة والكرامة، سيطوق أعناق الصهاينة العرب بأشواك المذلة والمهانة، وسيضعهم مع ابن العلقمي طليعة المغول في بغداد، والمعلم يعقوب نصير الفرنسيين في مصر، ومن على شاكلتهم.
أما غزة فتوقن بأن أول شعاع لضوء النهار سيولد مع نهاية طغيان الليل.
"وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"

السبت، ٢٣ يناير ٢٠١٠

فاعل مصر مجرور

فاعل مصر .......... مجرور
فاعل مصر كان دائماً مرفوعاً. لأنه عربي أصيل يقف في مقدمة الصف العربي، ويستفتح به دائماً، فهو الأول والأكثر ثراءّ ووجوداً على الساحة العربية
كان يقف مزهواً بهمزته التي تتوجه بين الحروف جميعاً، الكل يعرف قدره ومكانته. لقد كان الفاعل الذي تصدر عنه جميع الأفعال، يملك إرادة وقدرة على الفعل، ودائماً كان فوق المفعول به، حتى اتهم بأنه طاغية، والتصقت به التهمة، وكاد الناس يعتبرونها حقيقة.
وكان الفاعل في مصر ملكاً حقيقياً مرفوع الرأس، يختال بها ويفخر على جميع الحروف في الأبجدية العربية.
ولأن فاعل مصر دائماً مرفوع، فهو قوي بما يكفي فلا يقدر أحداً على كسره.
وكان يتخذ نائباً يعيش مرفوع الهامة بين الجميع، يحل محله ويؤدي فعله، في غيابه الإرادي أو الاضطراري.
ولكن فاعل مصر لم يعد له نائباً، أصبح وحيداً بغير نائب، فسر العلماء هذه الظاهرة الغريبة بقولين: قال فريق: فاعل خائف جبان، لا يقبل بأحد معه، يخشى أن يسلبه صلاحياته، أو يعرف سره، لأنه فاعل مزيف ودخيل على المنظومة الأبجدية.
قال آخرون: هو ضعيف بالفعل ولكن ضعفه يأتي من تشاؤمه، يرتعد من وجود نائب، لأنه يعتقد أن النائب نذير شؤم على الفاعل، هكذا صور له وهمه وخياله المريض.
ذات يوم غائم لم تطلع له شمس، دفع الرعب فاعل مصر، إلى الخروج من المنظومة الأبجدية، فخرج.
أراد أن يكون فاعلاً بمفرده، فاعلاً خارج المنظومة على طريقة النسق العربي الأصيل، ولكنه غرد وحيداً خارج السرب، شاذاً منبوذاً.
من يومها لم يعد فاعلاً، فقد القدرة على الفعل الإيجابي، وخسر مكانته في منظومة الحروف.
قالوا أنه أصبح مفعولاً به، وأقاموا الحجج والبراهين على صدقهم، والجميع يصدق هذا، الفاعل لم يعد عربياً، لأن الفاعل العربي قادر على الفعل ومرفوع.
وعندما احتار الناس في تفسير الأمر ةوأرادوا حل لغزه توجهوا إلى فقهاء اللغة، سألوهم عن سر الفاعل الذي أصبح مفعولاً به؟
قال سيبويه بلهجة ساخرة: الفاعل في العربية لا يمكن أن يكون مفعولاً به، المفعول به ضعيف دائماً، لأنه المسكين الذي يقع عليه الفعل، ولهذا فهو يأتي منصوباً.
وعندما قلنا لهم أن الفاعل عندنا مجرور، أشاح الفراء بيده ضجراً وقال: ـ الفاعل لا يأتي مجروراً أبداً، إلا في حالة شاذة، وإذا شز لا يجر، ولكن محله فقط هو الذي يصبح مجروراً، عرفنا الفاعل العربي دائماً بأنه مرفوع، يجب أن يكون مرفوعاً، وإلا فلن يكون فاعلاً!!
فما الذي يجر الفاعل عندنا؟
قلنا إن المجتمع تغير، ووسائل الجر لا تعد ولا تحصى، والضغط عليه جرفه فأصبح مجروراً، هذا واقعنا، اعتدنا من فاعلنا أنه مجرور دائماً.
قال: هذا كلام فارغ، فاعل يأتي مجرور دائماً لا يمكن أن يستقيم المعنى.
قال الأخفش غاضباً: آخر زمان فعلاً، الفاعل عندكم في مصر لم يعد فاعلاً.
ثم نظر إلى غاضباً وقال لأصحابه بصوت متوتر: قوموا بنا، هؤلاء لهجتهم غريب، لا هم عرب ولا مصريون.
قال ابن منظور بهدوء ورصانة: صبراً حتى نفهم، هل يمكن أن يصبح الفاعل عاجزاً عن الفعل. أو مجروراً، أو مفعولاً به؟
قلنا له: نعم. اكتشفنا هذا في حياتنا، وحتى الآن نحن عاجزون عن تغييره.
قال أبو الأسود: اسمعوا، سأقول لكم قولاً فصلاً، كل شيء ممكن مادام خارج المنظومة العربية، أنت تتكلمون عربية غير عربيتنا، وهذه ليست لغتنا، وهذا ليس فاعلاً، فاعلكم ليس عربياً.
هل يمكن أن يكون فاعلنا أمريكياً أو أوروبياً أو صهيونياً؟
قال سيبويه: الفاعل لا يمكن الحكم عليه إلا من فعله، فإذا لم يكن له فعل، فيمكن أن يكون أي شيء آخر ولو تحلى بهمزة مزورة، ولكنه لا يمكن أن يوصف بأنه فاعل.
قال الأخفش: وهو ينتفض واقفاً: باختصار الفاعل عندنا هو الذي يصنع الأفعال، فإذا فقد القدرة على الفعل فهو ليس بفاعل، سموه أي شيء آخر غير الفاعل، سموه مهرجاً، أو دمية، أو يمكن أن يوصف بتعبير العامة عندكم قرطاس لب.
إذا كان فاعلنا قرطاس لب، فلا حاضر ولا مستقبل، ونحن في العراء، أو خارج دائرة الحياة والزمن، ولن تجدينا الحسرة على الفاعل المفقود الذي كان يصنع الفعل، في زمن المنظومة العربية.

الجمعة، ٢٥ ديسمبر ٢٠٠٩

عفواً حواء

داهمتني هذه المشاعر الشاكرة لنصفي الرقيق فجر الأربعاء 19/4/2009 ولم أجرؤ على نشرها إلا الآن، أغمضت عيني وألقيتها هنا وحسبي أني صادق، ومن استهجن كلماتي فليعذر ضعف كهل عجز عن الصمت فباح.
عفواً حواء
ما عدت أحتمل البقاء
ما عدت قادراً والصمت يجأر داخلي
والقلب بالأسرار ناء
سأطير عصفوراً واحكي قصتي
سأكتب بالغيم على خد السماء
سأوشوش النبت البهيج بلا خجل
وأرسم الأشعار في الأرجاء
ويفوح مني ما أحس بلا وجل
وأدغدغ نجمنا الزاهي الوضاء
وأسابق الريح المزمجر في فرح
وأناجي الأموات والأحياء
آه حواء
لولا زهوراً أنبتها في حجراتنا
وشيب رأسي والحياء
لفضحت صمتى المكدود في كل الدنا
وصدحت بالمكنون في جوف الفضاء
أنا المسكين بالسر الذي
ضاقت به الجنبات والأنحاء
فارحم إلهي بفضلك من رواني
لذة وبهجة وضياء

الاثنين، ٢٦ أكتوبر ٢٠٠٩

من أوراق جاليليو المحرمة

أنا لست شاعراً، ولكنه ياتيني كنوبات موسمية، وهذه إحدى مداهماته لي فعفواً
من أوراق جاليليو المحرمة
(1)
سيدي الكاردينال
مخلوق فوق الآلهة
في المحراب شرب الخمر وبال
رسم دوائر ساحرة
وتحدث عن هرطقة وخبال
في روثته ينبت ورد وقصائد شعر
من بين أصابعه القدسية
يتجلى كل محال
يتخلق فن العهر والقهر
يستنسخ قردة
أقزام ورجال
أعشاب برية بمساحات الوطن المظلم
ترفع نخب الشيطان
ترقص للنار
تقبل ثوبه الملكي الأسود
وتسب المنظار
تلتقط شاكرة كسرة خبز متربة
تستجدي عطف الغفار
سيدي الكاردينال
عفواً
هذا جسدي في مذبحك مسجى
لكن روحي
أرفعها بيدي
أنصبها للمارين بظلمات البحر فنار



(2)

المجد للمنشور
المجدد للمنشور
إله العصر
وكل العصور
عفواً سيدي
أنا وشعاع الضوء الأبيض
كلانا مغرور
أنا وشعاع الضوء الأبيض
كلانا مقهور
كلانا مكسور



(3)

في ركن الغرفة العلوية
كومة عظم لين
وبقايا ستار
عقب سيجار محترق بتفان
وأرجل المنظار
لم يبق إلا هم
جند الكاردينال حملوا المنظار الكافر
اغتصبوا آخر نفس صالح للرئتين
آخر شربة ماء بادرة
آخر نور في العينين
لكن في صدري عصفور ينبض
بعد غروب الشمس
يتخلق في شرنقته
في جوف الليل سيولد منظار.



(4)
هنا وقف الكاردينال
نظر إلي
بصق مضغة تبغ مستهلكة
قال:
اقطع رأسك أو نقطعها
نظرت إليه بعينين سائلتين
واستجديت الكلمات
سيدي
المنظار الأحمق ضللني
أوهمني أن الأرض تدور
لا شك. كفر وفجور
هلوسة الضوء وهرطقة المنشور
الأرض يا سيدي لا تدور
أنا اعترف الآن
الأرض لا تدور
زنديق أو مقهور
من يزعم أن الأرض تدور
نحن الذين ندور حول عمود الساقية الأحمق
في بئر جاف
وأرض بور


(5)
سيدي الكاردينال
سأبوح بسر
وأنا مصلوب فوق الآلة
قرأت الحكمة في عين الجلاد
العصيان محال
حسيس العضلات الفاجر أعلن
العصيان محال
العظم المتباعد يفسح للفكرة
العصيان محال
من يقرأ بالمنظار زنديق محتال
فلترحمني حكمة آلتك العجماء
كي أنشد للعالم أجمع
العصيان محال
العصيان محال





سنورس في صباح الخميس: 23/4/2009

الخميس، ٣٠ يوليو ٢٠٠٩

الحياة بلون عيوننا

الحياة بلون عيوننا
وقف التاكسي أمام المبنى الشاهق، دعاها السائق للنزول، عندما وضعت ساقها اليسرى على الأرض أحست بشحنة كهربية مجنونة سرت فيها، أشفق السائق من تألمها الذي نقل إلى جسده لسعة الشحنة الكهربية الطائشة، رجاها ألا تتعجل، استندت على عصاها، ولملمت ثيابها واستقامت قدر ما سمح لها عمودها الفقري، قبل أن تخطو فوق الباحة الرخامية تطلعت إلى المبنى الشاهق في يأس ومرارة، لا بديل عن الخوض في هذه العلبة الخرسانية المكتظة.
منذ كسرت ساقها اليسرى أثر سقطتها في المطبخ، وهي حذرة في خطواتها، تتوقع نوبة الدوار مع كل حركة، تحذر الانزلاق مع كل خطوة، ابتسمت عندما وعت المفارقة، وزنها أصبح خفيفاً جداً، إلا أن جسمها يبدو أثقل وزناً عما مضى. الحذر في المشي يحرمها متعة النظر إلى وجوه الناس والتعرف على ملامحهم. هواية بدأت مع فراغها الذي شاركها مسكنها، ليس في الشقة سواهما، والذكريات تطل من حين لآخر حسب ما تجود به الذاكرة المكدودة. كانت تكمن للحياة الجارية في عرض الشارع خلف نافذة حجرتها بالدور الأرضي، تتفرس في وجوه المارة بقدر ما تعي عيناها الواهنتين، استفزاز لأرشيف الذاكرة ليفتح ملفات العمر الطويل الذي مر كأنه حلم عابر.
عزاؤها أن الوجوه التي تراها جميعها غريبة، الوجوه المألوفة رحلت، الأيام الراحلة تأخذ نصيبها من كل شيء، استدعاء الملامح أصبح عملية شاقة يعتذر عقلها بأدب عن الوفاء بها.
التوغل في العمر يعني التوغل في الغربة، كل شيء أصبح غريباً من الأسماء إلى الملابس وقصات الشعر، حتى ضحكات الناس اختلفت عن .. عن .. الأيام التي كانت تضحك فيها.
في ردهة الاستقبال الفسيحة أخبرها موظف الاستعلامات بأن المعاشات في الدور الأول، أشار إليها وفمه محشو بقضمة من وجبته الصباحية.
ـ اطلعي على السلم، المصعد لا يقف في الدور الأول، مسافة بسيطة.
الدرج اختراع حديث، الإنسان القديم كان ماهراً في صعود الجبال والأشجار، كانت له بنية جسدية نشأت في العراء، وكانت بيئته نظيفة.
يد تقبض على العصا، والأخرى تتشبث بحديد الدرج الغليظ، الكتل البشرية المندفعة صعوداً وهبوطاً تفجر قشعريرة في جسدها، تحذر من ضربة ذراع ملوح، أو دفعة من لحم بارز عن حدود الجسد الطبيعية.
عند نهاية الدرج كان لابد للجسد المنهك من راحة تعيد الأعضاء التي تنافرت لتسكن كما خلقها الله، توقف العراك المحموم بينها، كل يلقي باللوم على الآخر، والكل برئ.
اعتادت على الأوجاع، أصبحت جزءً من مكوناتها، ولا دواء للهرم.
وجَّهها أحد العاملين إلى مكتب في نهاية الممر على اليسار، استبشرت خيراً عندما رأت كرسياً خالياً، طلبت من جسدها المتألم أن يعيد توازنه فوق هذه المساحة الفارغة، وضعت يديها على مقبض عصاتها واسندت جبهتها إليه، جلست ترجو قلبها أن يهدأ لينتظم تنفسها المضطرب.
عندما سكنت أعضاؤها وحل فيها السلام، أحست بوجودها أمامها مباشرة، ثياب أنثوية، امرأة متوسطة العمر، يميزها وجه طفولي وابتسامة ملائكية ينفسح لها القلب بمساحة كامل الجسد، نظرت إليها في حنان أمومي. ـ السلام عليكم أستاذة خديجة؟ ـ أهلاً يا ابنتي. ناولتها يدها لتستند إليها، دعتها إلى غرفتها، واسعة جميلة، تخبر المتأمل عن لمسات أنثوية رقيقة رصعت الأركان والزوايا، ذوق رفيع وحساسية مرهفة للألوان. أمرت الساعي بعصير الليمون، وجلست في المقعد المجاور، أقبلت عليها بابتسامتها الرائقة قائلة: ـ رأيتك من خلف الباب الزجاجي تمرين من أمام مكتبي، خير يا أستاذة؟ ـ توقف المعاش وطالبوني بمراجعة الهيئة.
ذاكرتها المكدودة عجزت عن استدعاء صورتها، لكنها هيجت الخواطر والاحتمالات التي راحت تنبض في تلافيف وعيها.
كانت رحيمة، قطعت حيرتها المخجلة:
ـ أنا تسنيم.
سرت كلمتها كنسمة صيف على وجه ملبد مرهق، طوق نجاة من أمواج التخبط والاندهاش، اقتراب من شاطئ الحقيقة، سارعت بقولها: ـ إحدى تلميذاتك يا أستاذة، هل تذكرينني؟
دفعت كلماتها بطاقة تسنيم إلى بؤرة الذاكرة، طفلة مميزة، المعلمون لا ينسون تلاميذهم المميزون رغم تراكم السنين، احتضنتها بعينيها، تغيرت الملامح، لكنها مازالت تحمل براءتها. ـ هل تذكرين يا أستاذة، أنت علمتيني كيف أصلي، حملتيني بيديك هاتين كحمامة وديعة لأقف فوق المائدة الكبيرة، وأمثل الصلاة أمام تلاميذ الفصل. هل تذكرين؟
قالت ذاهلة وهي تغوص في عمق ماضيها الجميل: ـ نعم .... تسنيم، أهلاً حبيبتي. ـ دقائق يا أستاذة سأنهي أمر المعاش حالاً.
كانت تظن أن ذاكرتها أجدبت، إنها الآن حديقة غناء ثرية بألوانها وعطورها وطيورها، الماضي البعيد حي في قلبها الآن، مشاهد الحياة الجميلة تتواتر في منظومة ملونة بديعة.
مشهد تسنيم الطفلة فوق المائدة كان مثيراً، كانت خاشعة وكأنها ترى الله بعينيها، لم تتأثر بضحكات بعض زميلاتها أو تعليقاتهم عليها. مثلت الصلاة في خشوع مهيب، الذي لم تعرفه تسنيم حينها أن معلمتها تأثرت بهيئتها الخاشعة في الصلاة وانطلقت من صدرها شهقة أحست أن روحها ستخرج معها، لم يمنعها سوى دمعات ثخينة التقطتها بمنديلها سريعاً قبل عيون الأطفال الفضولية، دمعات ثبتت القلب المهتاج.
إنها الآن تذكر.
وجوه التلميذات، السبورة الخضراء، لوحة الشرف للأخلاق الحسنة والتميز الدراسي، أشكال معلقات الحوائط وألوانها، أشجار المدرسة المهذبة، سجاد المصلى الذهبي، محرابه الأبيض المهيب، ستائر نوافذه التي أبدعها قسم الأشغال بالمدرسة، أم إبراهيم عاملة المسجد التي لا تغادرها الابتسامة، .........
ـ مشكلة المعاش انتهت يا أستاذة.
ـ بهذه السرعة! شكراً يا ابنتي، إذاً آن الأوان لأنصرف؟
أمر بالهبوط من النعيم، استدعاء قاس للواقع الراكد.
ـ أنت في ضيافتي، يسعدني وجودك.
ـ أنت رقيقة منذ طفولتك، ولكن هذا مكان عمل، شكراً لك يا ابنتي.
ـ استأذنت لأصحبك إلى المنزل، أحب أن أفعل هذا بنفسي.
عندما مدت تسنيم يدها لتساعدها على القيام لم تجد صعوبة في الوقوف أو الحركة، لا أثر لألم الساق اليسرى، إنها تمشي برشاقة لم تعهدها في نفسها منذ سنوات، تكاد تستغني عن العصا التي كان يصعب الحركة بدونها، أحست بأن ظهرها الذي كان منحنياً استقام كرمح من الحديد الخالص. تصفحت وجوه الكتلة البشرية السابحة فوق الدرج، أحست أن الكثير منها مألوفاً لديها، حركة جماعية منتظمة كسرب طيور مهاجرة في أمان.
أصرت تسنيم على اصطحابها حتى باب شقتها، أرادت أن تشكرها، فرت كلماتها حياءً.
ـ اغفري لي يا أستاذة، جيلنا قصر في حقكم، هل تسمحين لي بزيارتك؟
ضمتها إلى صدرها، لمست خديها بحنان أمومي دافئ، وجدت لها ابنة حبيبة بعد سفر ولدها للخارج، ورحيل ابنتها مع زوجها للحصول على درجته العلمية، ملأت عينيها من صورتها الملائكية البريئة، وأغمضت عليها بحرص مخافة أن يتسرب منها شيء، غمرتها نشوة تكفي زاداً لمئات السنين.
كلما توغلنا في الوهم ابتعدنا عن الحقيقة، الحياة جميلة، لكنها تأخذ لون عيوننا.

أحمدي قاسم محمد

الخميس، ٢١ مايو ٢٠٠٩

الأخطبوط والطغاة


للأخطبوط: ثمانية أذرع وقلبان وعينان.

وللطغــــاة: أذرع بعدد الكلاب الحارسة.

وقلبـيـــــن: أحدهما ممتلئ بالرعب من شعبه.
والآخر حجر صخري مصمت.

وعينــــين: كلاهما عمياوان.