أنا لست شاعراً، ولكنه ياتيني كنوبات موسمية، وهذه إحدى مداهماته لي فعفواً
من أوراق جاليليو المحرمة
(1)
سيدي الكاردينال
مخلوق فوق الآلهة
في المحراب شرب الخمر وبال
رسم دوائر ساحرة
وتحدث عن هرطقة وخبال
في روثته ينبت ورد وقصائد شعر
من بين أصابعه القدسية
يتجلى كل محال
يتخلق فن العهر والقهر
يستنسخ قردة
أقزام ورجال
أعشاب برية بمساحات الوطن المظلم
ترفع نخب الشيطان
ترقص للنار
تقبل ثوبه الملكي الأسود
وتسب المنظار
تلتقط شاكرة كسرة خبز متربة
تستجدي عطف الغفار
سيدي الكاردينال
عفواً
هذا جسدي في مذبحك مسجى
لكن روحي
أرفعها بيدي
أنصبها للمارين بظلمات البحر فنار
(2)
المجد للمنشور
المجدد للمنشور
إله العصر
وكل العصور
عفواً سيدي
أنا وشعاع الضوء الأبيض
كلانا مغرور
أنا وشعاع الضوء الأبيض
كلانا مقهور
كلانا مكسور
(3)
في ركن الغرفة العلوية
كومة عظم لين
وبقايا ستار
عقب سيجار محترق بتفان
وأرجل المنظار
لم يبق إلا هم
جند الكاردينال حملوا المنظار الكافر
اغتصبوا آخر نفس صالح للرئتين
آخر شربة ماء بادرة
آخر نور في العينين
لكن في صدري عصفور ينبض
بعد غروب الشمس
يتخلق في شرنقته
في جوف الليل سيولد منظار.
(4)
هنا وقف الكاردينال
نظر إلي
بصق مضغة تبغ مستهلكة
قال:
اقطع رأسك أو نقطعها
نظرت إليه بعينين سائلتين
واستجديت الكلمات
سيدي
المنظار الأحمق ضللني
أوهمني أن الأرض تدور
لا شك. كفر وفجور
هلوسة الضوء وهرطقة المنشور
الأرض يا سيدي لا تدور
أنا اعترف الآن
الأرض لا تدور
زنديق أو مقهور
من يزعم أن الأرض تدور
نحن الذين ندور حول عمود الساقية الأحمق
في بئر جاف
وأرض بور
(5)
سيدي الكاردينال
سأبوح بسر
وأنا مصلوب فوق الآلة
قرأت الحكمة في عين الجلاد
العصيان محال
حسيس العضلات الفاجر أعلن
العصيان محال
العظم المتباعد يفسح للفكرة
العصيان محال
من يقرأ بالمنظار زنديق محتال
فلترحمني حكمة آلتك العجماء
كي أنشد للعالم أجمع
العصيان محال
العصيان محال
سنورس في صباح الخميس: 23/4/2009
الإثنين، ٢٦ أكتوبر، ٢٠٠٩
الخميس، ٣٠ يوليو، ٢٠٠٩
الحياة بلون عيوننا
الحياة بلون عيوننا
وقف التاكسي أمام المبنى الشاهق، دعاها السائق للنزول، عندما وضعت ساقها اليسرى على الأرض أحست بشحنة كهربية مجنونة سرت فيها، أشفق السائق من تألمها الذي نقل إلى جسده لسعة الشحنة الكهربية الطائشة، رجاها ألا تتعجل، استندت على عصاها، ولملمت ثيابها واستقامت قدر ما سمح لها عمودها الفقري، قبل أن تخطو فوق الباحة الرخامية تطلعت إلى المبنى الشاهق في يأس ومرارة، لا بديل عن الخوض في هذه العلبة الخرسانية المكتظة.
منذ كسرت ساقها اليسرى أثر سقطتها في المطبخ، وهي حذرة في خطواتها، تتوقع نوبة الدوار مع كل حركة، تحذر الانزلاق مع كل خطوة، ابتسمت عندما وعت المفارقة، وزنها أصبح خفيفاً جداً، إلا أن جسمها يبدو أثقل وزناً عما مضى. الحذر في المشي يحرمها متعة النظر إلى وجوه الناس والتعرف على ملامحهم. هواية بدأت مع فراغها الذي شاركها مسكنها، ليس في الشقة سواهما، والذكريات تطل من حين لآخر حسب ما تجود به الذاكرة المكدودة. كانت تكمن للحياة الجارية في عرض الشارع خلف نافذة حجرتها بالدور الأرضي، تتفرس في وجوه المارة بقدر ما تعي عيناها الواهنتين، استفزاز لأرشيف الذاكرة ليفتح ملفات العمر الطويل الذي مر كأنه حلم عابر.
عزاؤها أن الوجوه التي تراها جميعها غريبة، الوجوه المألوفة رحلت، الأيام الراحلة تأخذ نصيبها من كل شيء، استدعاء الملامح أصبح عملية شاقة يعتذر عقلها بأدب عن الوفاء بها.
التوغل في العمر يعني التوغل في الغربة، كل شيء أصبح غريباً من الأسماء إلى الملابس وقصات الشعر، حتى ضحكات الناس اختلفت عن .. عن .. الأيام التي كانت تضحك فيها.
في ردهة الاستقبال الفسيحة أخبرها موظف الاستعلامات بأن المعاشات في الدور الأول، أشار إليها وفمه محشو بقضمة من وجبته الصباحية.
ـ اطلعي على السلم، المصعد لا يقف في الدور الأول، مسافة بسيطة.
الدرج اختراع حديث، الإنسان القديم كان ماهراً في صعود الجبال والأشجار، كانت له بنية جسدية نشأت في العراء، وكانت بيئته نظيفة.
يد تقبض على العصا، والأخرى تتشبث بحديد الدرج الغليظ، الكتل البشرية المندفعة صعوداً وهبوطاً تفجر قشعريرة في جسدها، تحذر من ضربة ذراع ملوح، أو دفعة من لحم بارز عن حدود الجسد الطبيعية.
عند نهاية الدرج كان لابد للجسد المنهك من راحة تعيد الأعضاء التي تنافرت لتسكن كما خلقها الله، توقف العراك المحموم بينها، كل يلقي باللوم على الآخر، والكل برئ.
اعتادت على الأوجاع، أصبحت جزءً من مكوناتها، ولا دواء للهرم.
وجَّهها أحد العاملين إلى مكتب في نهاية الممر على اليسار، استبشرت خيراً عندما رأت كرسياً خالياً، طلبت من جسدها المتألم أن يعيد توازنه فوق هذه المساحة الفارغة، وضعت يديها على مقبض عصاتها واسندت جبهتها إليه، جلست ترجو قلبها أن يهدأ لينتظم تنفسها المضطرب.
عندما سكنت أعضاؤها وحل فيها السلام، أحست بوجودها أمامها مباشرة، ثياب أنثوية، امرأة متوسطة العمر، يميزها وجه طفولي وابتسامة ملائكية ينفسح لها القلب بمساحة كامل الجسد، نظرت إليها في حنان أمومي. ـ السلام عليكم أستاذة خديجة؟ ـ أهلاً يا ابنتي. ناولتها يدها لتستند إليها، دعتها إلى غرفتها، واسعة جميلة، تخبر المتأمل عن لمسات أنثوية رقيقة رصعت الأركان والزوايا، ذوق رفيع وحساسية مرهفة للألوان. أمرت الساعي بعصير الليمون، وجلست في المقعد المجاور، أقبلت عليها بابتسامتها الرائقة قائلة: ـ رأيتك من خلف الباب الزجاجي تمرين من أمام مكتبي، خير يا أستاذة؟ ـ توقف المعاش وطالبوني بمراجعة الهيئة.
ذاكرتها المكدودة عجزت عن استدعاء صورتها، لكنها هيجت الخواطر والاحتمالات التي راحت تنبض في تلافيف وعيها.
وقف التاكسي أمام المبنى الشاهق، دعاها السائق للنزول، عندما وضعت ساقها اليسرى على الأرض أحست بشحنة كهربية مجنونة سرت فيها، أشفق السائق من تألمها الذي نقل إلى جسده لسعة الشحنة الكهربية الطائشة، رجاها ألا تتعجل، استندت على عصاها، ولملمت ثيابها واستقامت قدر ما سمح لها عمودها الفقري، قبل أن تخطو فوق الباحة الرخامية تطلعت إلى المبنى الشاهق في يأس ومرارة، لا بديل عن الخوض في هذه العلبة الخرسانية المكتظة.
منذ كسرت ساقها اليسرى أثر سقطتها في المطبخ، وهي حذرة في خطواتها، تتوقع نوبة الدوار مع كل حركة، تحذر الانزلاق مع كل خطوة، ابتسمت عندما وعت المفارقة، وزنها أصبح خفيفاً جداً، إلا أن جسمها يبدو أثقل وزناً عما مضى. الحذر في المشي يحرمها متعة النظر إلى وجوه الناس والتعرف على ملامحهم. هواية بدأت مع فراغها الذي شاركها مسكنها، ليس في الشقة سواهما، والذكريات تطل من حين لآخر حسب ما تجود به الذاكرة المكدودة. كانت تكمن للحياة الجارية في عرض الشارع خلف نافذة حجرتها بالدور الأرضي، تتفرس في وجوه المارة بقدر ما تعي عيناها الواهنتين، استفزاز لأرشيف الذاكرة ليفتح ملفات العمر الطويل الذي مر كأنه حلم عابر.
عزاؤها أن الوجوه التي تراها جميعها غريبة، الوجوه المألوفة رحلت، الأيام الراحلة تأخذ نصيبها من كل شيء، استدعاء الملامح أصبح عملية شاقة يعتذر عقلها بأدب عن الوفاء بها.
التوغل في العمر يعني التوغل في الغربة، كل شيء أصبح غريباً من الأسماء إلى الملابس وقصات الشعر، حتى ضحكات الناس اختلفت عن .. عن .. الأيام التي كانت تضحك فيها.
في ردهة الاستقبال الفسيحة أخبرها موظف الاستعلامات بأن المعاشات في الدور الأول، أشار إليها وفمه محشو بقضمة من وجبته الصباحية.
ـ اطلعي على السلم، المصعد لا يقف في الدور الأول، مسافة بسيطة.
الدرج اختراع حديث، الإنسان القديم كان ماهراً في صعود الجبال والأشجار، كانت له بنية جسدية نشأت في العراء، وكانت بيئته نظيفة.
يد تقبض على العصا، والأخرى تتشبث بحديد الدرج الغليظ، الكتل البشرية المندفعة صعوداً وهبوطاً تفجر قشعريرة في جسدها، تحذر من ضربة ذراع ملوح، أو دفعة من لحم بارز عن حدود الجسد الطبيعية.
عند نهاية الدرج كان لابد للجسد المنهك من راحة تعيد الأعضاء التي تنافرت لتسكن كما خلقها الله، توقف العراك المحموم بينها، كل يلقي باللوم على الآخر، والكل برئ.
اعتادت على الأوجاع، أصبحت جزءً من مكوناتها، ولا دواء للهرم.
وجَّهها أحد العاملين إلى مكتب في نهاية الممر على اليسار، استبشرت خيراً عندما رأت كرسياً خالياً، طلبت من جسدها المتألم أن يعيد توازنه فوق هذه المساحة الفارغة، وضعت يديها على مقبض عصاتها واسندت جبهتها إليه، جلست ترجو قلبها أن يهدأ لينتظم تنفسها المضطرب.
عندما سكنت أعضاؤها وحل فيها السلام، أحست بوجودها أمامها مباشرة، ثياب أنثوية، امرأة متوسطة العمر، يميزها وجه طفولي وابتسامة ملائكية ينفسح لها القلب بمساحة كامل الجسد، نظرت إليها في حنان أمومي. ـ السلام عليكم أستاذة خديجة؟ ـ أهلاً يا ابنتي. ناولتها يدها لتستند إليها، دعتها إلى غرفتها، واسعة جميلة، تخبر المتأمل عن لمسات أنثوية رقيقة رصعت الأركان والزوايا، ذوق رفيع وحساسية مرهفة للألوان. أمرت الساعي بعصير الليمون، وجلست في المقعد المجاور، أقبلت عليها بابتسامتها الرائقة قائلة: ـ رأيتك من خلف الباب الزجاجي تمرين من أمام مكتبي، خير يا أستاذة؟ ـ توقف المعاش وطالبوني بمراجعة الهيئة.
ذاكرتها المكدودة عجزت عن استدعاء صورتها، لكنها هيجت الخواطر والاحتمالات التي راحت تنبض في تلافيف وعيها.
كانت رحيمة، قطعت حيرتها المخجلة:
ـ أنا تسنيم.
سرت كلمتها كنسمة صيف على وجه ملبد مرهق، طوق نجاة من أمواج التخبط والاندهاش، اقتراب من شاطئ الحقيقة، سارعت بقولها: ـ إحدى تلميذاتك يا أستاذة، هل تذكرينني؟
دفعت كلماتها بطاقة تسنيم إلى بؤرة الذاكرة، طفلة مميزة، المعلمون لا ينسون تلاميذهم المميزون رغم تراكم السنين، احتضنتها بعينيها، تغيرت الملامح، لكنها مازالت تحمل براءتها. ـ هل تذكرين يا أستاذة، أنت علمتيني كيف أصلي، حملتيني بيديك هاتين كحمامة وديعة لأقف فوق المائدة الكبيرة، وأمثل الصلاة أمام تلاميذ الفصل. هل تذكرين؟
قالت ذاهلة وهي تغوص في عمق ماضيها الجميل: ـ نعم .... تسنيم، أهلاً حبيبتي. ـ دقائق يا أستاذة سأنهي أمر المعاش حالاً.
كانت تظن أن ذاكرتها أجدبت، إنها الآن حديقة غناء ثرية بألوانها وعطورها وطيورها، الماضي البعيد حي في قلبها الآن، مشاهد الحياة الجميلة تتواتر في منظومة ملونة بديعة.
مشهد تسنيم الطفلة فوق المائدة كان مثيراً، كانت خاشعة وكأنها ترى الله بعينيها، لم تتأثر بضحكات بعض زميلاتها أو تعليقاتهم عليها. مثلت الصلاة في خشوع مهيب، الذي لم تعرفه تسنيم حينها أن معلمتها تأثرت بهيئتها الخاشعة في الصلاة وانطلقت من صدرها شهقة أحست أن روحها ستخرج معها، لم يمنعها سوى دمعات ثخينة التقطتها بمنديلها سريعاً قبل عيون الأطفال الفضولية، دمعات ثبتت القلب المهتاج.
إنها الآن تذكر.
ـ أنا تسنيم.
سرت كلمتها كنسمة صيف على وجه ملبد مرهق، طوق نجاة من أمواج التخبط والاندهاش، اقتراب من شاطئ الحقيقة، سارعت بقولها: ـ إحدى تلميذاتك يا أستاذة، هل تذكرينني؟
دفعت كلماتها بطاقة تسنيم إلى بؤرة الذاكرة، طفلة مميزة، المعلمون لا ينسون تلاميذهم المميزون رغم تراكم السنين، احتضنتها بعينيها، تغيرت الملامح، لكنها مازالت تحمل براءتها. ـ هل تذكرين يا أستاذة، أنت علمتيني كيف أصلي، حملتيني بيديك هاتين كحمامة وديعة لأقف فوق المائدة الكبيرة، وأمثل الصلاة أمام تلاميذ الفصل. هل تذكرين؟
قالت ذاهلة وهي تغوص في عمق ماضيها الجميل: ـ نعم .... تسنيم، أهلاً حبيبتي. ـ دقائق يا أستاذة سأنهي أمر المعاش حالاً.
كانت تظن أن ذاكرتها أجدبت، إنها الآن حديقة غناء ثرية بألوانها وعطورها وطيورها، الماضي البعيد حي في قلبها الآن، مشاهد الحياة الجميلة تتواتر في منظومة ملونة بديعة.
مشهد تسنيم الطفلة فوق المائدة كان مثيراً، كانت خاشعة وكأنها ترى الله بعينيها، لم تتأثر بضحكات بعض زميلاتها أو تعليقاتهم عليها. مثلت الصلاة في خشوع مهيب، الذي لم تعرفه تسنيم حينها أن معلمتها تأثرت بهيئتها الخاشعة في الصلاة وانطلقت من صدرها شهقة أحست أن روحها ستخرج معها، لم يمنعها سوى دمعات ثخينة التقطتها بمنديلها سريعاً قبل عيون الأطفال الفضولية، دمعات ثبتت القلب المهتاج.
إنها الآن تذكر.
وجوه التلميذات، السبورة الخضراء، لوحة الشرف للأخلاق الحسنة والتميز الدراسي، أشكال معلقات الحوائط وألوانها، أشجار المدرسة المهذبة، سجاد المصلى الذهبي، محرابه الأبيض المهيب، ستائر نوافذه التي أبدعها قسم الأشغال بالمدرسة، أم إبراهيم عاملة المسجد التي لا تغادرها الابتسامة، .........
ـ مشكلة المعاش انتهت يا أستاذة.
ـ مشكلة المعاش انتهت يا أستاذة.
ـ بهذه السرعة! شكراً يا ابنتي، إذاً آن الأوان لأنصرف؟
أمر بالهبوط من النعيم، استدعاء قاس للواقع الراكد.
ـ أنت في ضيافتي، يسعدني وجودك.
ـ أنت رقيقة منذ طفولتك، ولكن هذا مكان عمل، شكراً لك يا ابنتي.
ـ استأذنت لأصحبك إلى المنزل، أحب أن أفعل هذا بنفسي.
عندما مدت تسنيم يدها لتساعدها على القيام لم تجد صعوبة في الوقوف أو الحركة، لا أثر لألم الساق اليسرى، إنها تمشي برشاقة لم تعهدها في نفسها منذ سنوات، تكاد تستغني عن العصا التي كان يصعب الحركة بدونها، أحست بأن ظهرها الذي كان منحنياً استقام كرمح من الحديد الخالص. تصفحت وجوه الكتلة البشرية السابحة فوق الدرج، أحست أن الكثير منها مألوفاً لديها، حركة جماعية منتظمة كسرب طيور مهاجرة في أمان.
عندما مدت تسنيم يدها لتساعدها على القيام لم تجد صعوبة في الوقوف أو الحركة، لا أثر لألم الساق اليسرى، إنها تمشي برشاقة لم تعهدها في نفسها منذ سنوات، تكاد تستغني عن العصا التي كان يصعب الحركة بدونها، أحست بأن ظهرها الذي كان منحنياً استقام كرمح من الحديد الخالص. تصفحت وجوه الكتلة البشرية السابحة فوق الدرج، أحست أن الكثير منها مألوفاً لديها، حركة جماعية منتظمة كسرب طيور مهاجرة في أمان.
أصرت تسنيم على اصطحابها حتى باب شقتها، أرادت أن تشكرها، فرت كلماتها حياءً.
ـ اغفري لي يا أستاذة، جيلنا قصر في حقكم، هل تسمحين لي بزيارتك؟
ضمتها إلى صدرها، لمست خديها بحنان أمومي دافئ، وجدت لها ابنة حبيبة بعد سفر ولدها للخارج، ورحيل ابنتها مع زوجها للحصول على درجته العلمية، ملأت عينيها من صورتها الملائكية البريئة، وأغمضت عليها بحرص مخافة أن يتسرب منها شيء، غمرتها نشوة تكفي زاداً لمئات السنين.
كلما توغلنا في الوهم ابتعدنا عن الحقيقة، الحياة جميلة، لكنها تأخذ لون عيوننا.
أحمدي قاسم محمد
كلما توغلنا في الوهم ابتعدنا عن الحقيقة، الحياة جميلة، لكنها تأخذ لون عيوننا.
أحمدي قاسم محمد
الخميس، ٢١ مايو، ٢٠٠٩
الأخطبوط والطغاة
للأخطبوط: ثمانية أذرع وقلبان وعينان.
وللطغــــاة: أذرع بعدد الكلاب الحارسة.
وقلبـيـــــن: أحدهما ممتلئ بالرعب من شعبه.
والآخر حجر صخري مصمت.
وعينــــين: كلاهما عمياوان.
الأربعاء، ١١ مارس، ٢٠٠٩
مشهد النهاية (لعنة الفراعنة)
يدفعني الحنين لإعادة قراءتها من زمن لآخر، استرجع حوار مشهد النهاية، أحب قراءته. كتبته سنة 1988 في ختام مسرحيتي ـ لعنة الفراعنة ـ أحببت أن يقرأه إخواني.
هل هي إشارة إفلاس. ربما. عفواً المسرحية نشرت سنة 2001 ووزعتها مؤسسة الجمهورية.
******************************************************************
فرعون : هل عدتم ثانيه للثورة . لن تجدوا عندي إلا السيف وزبانية مهرة.
******************************************************************
فرعون : هل عدتم ثانيه للثورة . لن تجدوا عندي إلا السيف وزبانية مهرة.
والقتل يسير لا يجهد . يمتعني .
تغريني رءوس الكفرة وأراها ثمرات نضجت تدعوني للقطف.
أطعمها كلابي القذرة والقـــردة، يا غدرة . أفسدتم أنفسكم
لجهـــــــــــالتكم بأساليب اللعبة . استمعوا للحكمة .
لو بقيت شاة من شعبي لحكمت الشاة ولم أنزل.
وأضحى بالكل سواء، فالعرش في نظري أجمل .
يا جهلة . استمعوا للحكمة .
الحاكم ما زال القاتل وكذا يبقى حتى يُقتل.
وأنا ربكم الأعلى سلطاتي أعظم وأجل.
الرأي الآخر يعجبني فأروني من سئم الذل؟
من مل حياة عبادتنا فيمدد رقبته للفل.
فيريح النفس ويرتاح . لو شئنا لذبحنا الكل.
الشاعر : مولانا الأرض تئن من الألم والشمس حزينة.
والحب وراء الأسوار رهينة.
والشعب ينقب في ظلمت الليل عن الحق وأنوار الحق سجينه.
والطير في جو سمائي يضمر في الصدر ضغينة.
وبذور الشرف المرجوة في عمق الطين مهينة.
والطفل النبات في عرض الشارع يرثى أما مجنونة.
فرعون : اخسأ يا باغي الفتنة.
الشاعر: مولانا قوادك يحفر في رأسي يبحث عن كل دفينة.
عن كنز. عن خمر. عن جاريه كالبدر.
يبنى للشيطان مدينة.
قوادك ينسج من لحمى ثوباً. يبنى من عظمى سفينة.
يبسط ساقيه في عرض الوادي يفرز قيحاً وصديداً وأهازيج لعينة.
فرعون : موسى يبغى في الأرض الفتنة. يرجو أن يمهل يوم الزينة.
اسمع يا هامان. يا ملأي : موسى يرجو أن نبنى عرينه.
تطمع في إيمان السحرة ؟! .
دعك من الماضي وحنينه. أنت الآن بقبضتنا .
قبضتنا صارت مجنونة .
لن تذهب للطور الأيمن . لن تدخل أبدا إلى سينا.
لن تسرى بعبادي ليلاً . أو تبنى مع نوح سفينة.
محصور بين الشقين . سيفي والأمواج لعينه.
لن أترك باباً تسلكه. سَأُخَلِي للكل سبيله.
الجميع : يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا الإنسان .
هامان : فرمان من مولانا الفرعون الأعلى .
فرعون: في الحانات يولد كل الولدان كي تنشأ وتشب على الحرية.
هامان : عاش الفرعون الأعلى .
الجميع : يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا الإنسان.
هامان : فرمان من مولانا الفرعون الأعلى.
فرعون : تلغى حجرات النوم، تهدم كل الجدران .
ستكون مضاجعه النسوة في الطرقات، وفي الحانات.
وعلى قارعة الحارات . وفى كل الأحيان.
وحرام أن تأخذ ستراً. وسنتبارى في الميدان.
من يأتي ألف امرأة في ساعة أمنحه وسام الشجعان.
الجميع : يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا الإنسان.
الشاعر : حطموا سجنكم وحرروا أنفسكم.
الجميع : ( وهم يدفعون ) يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا
الإنسان .
ســـــــــــــــــــــــــــتار
أطعمها كلابي القذرة والقـــردة، يا غدرة . أفسدتم أنفسكم
لجهـــــــــــالتكم بأساليب اللعبة . استمعوا للحكمة .
لو بقيت شاة من شعبي لحكمت الشاة ولم أنزل.
وأضحى بالكل سواء، فالعرش في نظري أجمل .
يا جهلة . استمعوا للحكمة .
الحاكم ما زال القاتل وكذا يبقى حتى يُقتل.
وأنا ربكم الأعلى سلطاتي أعظم وأجل.
الرأي الآخر يعجبني فأروني من سئم الذل؟
من مل حياة عبادتنا فيمدد رقبته للفل.
فيريح النفس ويرتاح . لو شئنا لذبحنا الكل.
الشاعر : مولانا الأرض تئن من الألم والشمس حزينة.
والحب وراء الأسوار رهينة.
والشعب ينقب في ظلمت الليل عن الحق وأنوار الحق سجينه.
والطير في جو سمائي يضمر في الصدر ضغينة.
وبذور الشرف المرجوة في عمق الطين مهينة.
والطفل النبات في عرض الشارع يرثى أما مجنونة.
فرعون : اخسأ يا باغي الفتنة.
الشاعر: مولانا قوادك يحفر في رأسي يبحث عن كل دفينة.
عن كنز. عن خمر. عن جاريه كالبدر.
يبنى للشيطان مدينة.
قوادك ينسج من لحمى ثوباً. يبنى من عظمى سفينة.
يبسط ساقيه في عرض الوادي يفرز قيحاً وصديداً وأهازيج لعينة.
فرعون : موسى يبغى في الأرض الفتنة. يرجو أن يمهل يوم الزينة.
اسمع يا هامان. يا ملأي : موسى يرجو أن نبنى عرينه.
تطمع في إيمان السحرة ؟! .
دعك من الماضي وحنينه. أنت الآن بقبضتنا .
قبضتنا صارت مجنونة .
لن تذهب للطور الأيمن . لن تدخل أبدا إلى سينا.
لن تسرى بعبادي ليلاً . أو تبنى مع نوح سفينة.
محصور بين الشقين . سيفي والأمواج لعينه.
لن أترك باباً تسلكه. سَأُخَلِي للكل سبيله.
الجميع : يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا الإنسان .
هامان : فرمان من مولانا الفرعون الأعلى .
فرعون: في الحانات يولد كل الولدان كي تنشأ وتشب على الحرية.
هامان : عاش الفرعون الأعلى .
الجميع : يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا الإنسان.
هامان : فرمان من مولانا الفرعون الأعلى.
فرعون : تلغى حجرات النوم، تهدم كل الجدران .
ستكون مضاجعه النسوة في الطرقات، وفي الحانات.
وعلى قارعة الحارات . وفى كل الأحيان.
وحرام أن تأخذ ستراً. وسنتبارى في الميدان.
من يأتي ألف امرأة في ساعة أمنحه وسام الشجعان.
الجميع : يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا الإنسان.
الشاعر : حطموا سجنكم وحرروا أنفسكم.
الجميع : ( وهم يدفعون ) يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا
الإنسان .
ســـــــــــــــــــــــــــتار
الإثنين، ١٦ فبراير، ٢٠٠٩
هذه لحظة تاريخية فاغتنموها
مع بداية الأسبوع الثالث للعدوان ذاب الضباب تماماً من سماء غزة، أشرقت شمس الحقيقة على أرض الرباط لتتألق مفرداتها أمام العالم أجمع وتنطق بلسان عربي مبين، ورسالة بليغة للعالمين. ـ القضية ليست حماس، إنها شعب غزة، فخيار الجهاد ليس خيار فصيل مقاوم قُدِّر له أن يحكم مليون ونصف من البشر، ولكنه خيار المليون ونصف من البشر، وأن البطاقات الانتخابية التي حررها الشعب الفلسطيني وصبها في الصناديق لصالح حماس، لم تكن لحماس بقدر ما كانت خياراً صريحاً للجهاد والمقاومة المسلحة كعقيدة ونهج حياتي، وحل لمعالجة قضية الاحتلال والعدوان، وهذا ما وثقته وسائل الإعلام وهي تنقل رد الفعل العفوي للغزاويين مع تباين أعمارهم ومستوياتهم الثقافية. ـ أن هذا الثبات الجهادي المبهر الذي قدر الله تعالى له ينبت وينضج بعيداً عن أيدي السلطات العربية، وبعيداً عن سجونها ومعتقلاتها وتجويعها في شطر الأمة، وبعافية من رفاهيتها وإسرافها وإلهائها في الشطر الآخر، انتقام ورد اعتبار لآبائهم المجاهدين الذي انطلقت أجسادهم ملبية نداء أرواحهم للدفاع عن فلسطين وقت النكبة الأولى، فأعادتهم السلطات العربية مكبلين في الأصفاد إلى السجون والمعتقلات، ودفعت بجيوشها النظامية لتهزمها العصابات الصهاينة وتمزقها في الصحراء، ثم تعود خائبة لتدخل نفق التفاوض بأيدي خاوية، وتضيع فلسطين إلى الآن. ـ أن الكيان الصهيوني ضعيف وليس بالقوة التي ترهبها السلطات العربية، فالجيش الذي لا يقهر، والذي هزم جيوشاً قادتها ودربتها السلطات العربية في ساعات، يقف اليوم عاجزاً أمام فصيل مقاتل، يتحداه ويتلاعب به أمام العالم أجمع، ويهين كبرياءه المزعوم على مدى أسبوعين كاملين رغم أنه يقاتل فوق أرض يحفظ دقائق تضاريسها، ويجول في سمائها بلا شريك، وبكل ما يملك من قوى وتقنيات ودعم مادي وسياسي. ـ أن قتل المدنيين فعل انتقامي للصهاينة، هزيمتهم في ساحة المواجهة، وعجزهم أمام رجل العقيدة، دفعتهم لإغاظته في أهله، لارتكاب جريمة قصف النساء والأطفال عن عمد وإرادة، وهو رد فعل الفاجر عندما يعجز، وعمل اعتادت عليه العصابات الصهيونية، وبه قامت دولتها في عيوننا. دفتعهم للانتقام من المساجد التي كانت بمثابة الحضانات الإيمانية المفرخة لكتائب الإذلال الصهيوني. ـ أن الأمة حية لم تمت، وأن دماء الشهداء هي ذاتها دماء الإحياء، هذا ما أعلنته الجماهير التي هبت ملبية بأموالها وحناجرها، تمني نفسها بالجهاد في غزة، والانتقام لمئات الآلف الذين غدرت بهم العصابات الصهيونية منذ بدأت مشروعها الاغتصابي للأرض المباركة. هذه الجماهير المسلمة التي تنادت واحتشدت في جميع أنحاء المعمورة، أعلنت بفصاحة أن أمة محمد لن تموت لأنها تحمل رسالة من الله إلى الناس كافة، وأنه لم يزل لها دور تلعبه في تاريخ الإنسانية، وزمن قيادتها أشرف فجره على الانبثاق. ـ أن الجهاد فوق أرض الرباط الآن كشف للعالم أجمع مدى بشاعة الكيان الصهيوني الذي صنع له الإعلام الغربي زوراً وبهتناً وجهاً حضارياً مشرقاً، وفي ذات الوقت وصم الفلسطينيين والعرب عامة بالإرهاب والدموية والخطورة على الحضارة الإنسانية، هذا فضلاً عن الجهل والتخلف الذي التصق بالعرب في العقلية الغربية الغافلة عنهم. الآن أسقط الجهاد الفلسطيني فوق أرض غزة هذه الأكاذيب، وفضح المسخ الصهيوني الاستعماري البشع، في حين كانت تعجز الحملات الإعلامية القوية المخلصة على مدى عقود وعقود عن فضحه وتعريته.. إن الدماء الفلسطينية الطاهرة فوق أرض الرباط الآن أظهرت الوجه الحقيقي للكيان الصهيوني العنصري الذي يرتكب أبشع الجرائم تحت سمع العالم وبصره بلا حرج، ويتورط بعمى مثير لأنه يتصرف بعفوية القوي الذي أمن الحساب والعتاب على السواء. ـ أن السلطات العربية قطعت شوطاً بعيداً عن شعوبها، فقد عملت على إخراجها من دائرة الفعل، وصنع القرار، واختارت أن تقف في العراء بلا قوة حامية، فاندفعت مرعوبة لأحضان أعداء الأمة الذين تلقفوها وعاملوها معاملة التابع الذليل. جاءت المظاهرات الحاشدة التي عمت العالم الإسلامي بمثابة استفتاء شعبي حر ومباشر على خيار المقاومة والجهاد المسلح، وانتهاء زمن المبادرات العربية، والخيار الاستراتيجي للسلام. لهذا يجب على الحكام العرب الذين كانوا يلهثون وراء السلام ويستجدونه من إسرائيل بلا جدوى، ألا يجدفوا ضد التيار الشعبي الهادر، وعليهم أن يستثمروا اللحظة التاريخية الرائعة ليستعيدوا مكانتهم وإرادتهم على الفعل وإدارة شئون شعوبهم كمؤسسات حاكمة. فهل وعت الحكومات هذه الحقيقة؟ حقاً لقد تدرج وعي هذه الحكومات بحقيقة التحول الذي طرأ على طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوأمريكي مع أيام العدوان الغاشم على غزة في السبت 27/12/2009. فمنهم من كان له دور مشارك في العدوان منذ البداية. ومنهم من انتظر ظناًُ منه أنها كانت مجرد حملة تأديبية ستعيد بها إسرائيل السلطة الفلسطينية إلى غزة بالقوة بعد أن تقضي على حماس وينتهي الأمر. ومنهم من فقد القدرة على الحركة في أي اتجاه. ومنهم من كانت له رؤية تحددها عقيدة وخط نضالي واضح وهم قلة. فهل يمكن أن تتطور هذه الرؤى السلطوية لتواكب التقدم الجهادي الذي اختزل الزمن، وأدار الأحداث نحو الاتجاه الصحيح؟ الأحداث على الأرض تؤكد عكس هذا، فهاهم يسيرون وفق طبيعتهم عكس الاتجاه، وجل همهم تحويل الانتصار العسكري الرائع في غزة لصالح الصهاينة، ومنحهم ما عجز عنه جيشهم الذي لا يقهر ـ حسب زعمهم ـ. بلغوا حداً مخزياً ومقززاً من الضعف والتهافت، فلا هم قادرون على اتخاذ قرار عندما اجتمع وزراء الخارجية، وهم عاجزون عن الضغط لإصدار قرار في مجلس الأمن، والآنسة كوندا تجتمع بمن تشاء ومنهم، وتحرم من التطلع لمحياها من تريد. في الصباح وقف عباس في القاهرة في موقف بائس مثير للاشمئزاز والسخرية، وهم يلقنونه عن اليمين والشمال ـ يتباكى على الدماء الفلسطينية وكأنهم ليسوا شركاء فيما يجري، وكأنهم لم يتمتعوا بحماماتهم الدافئة، ويعقدوا أربطة أعناقهم بمهارة، استعداد لدخول غزة على دبابة صهيونية فوق أشلاء حماس كما رأوها في أوهامهم وخيالاتهم المريضة. لو كان عباس صادقاً في عاطفته وموقفه كما يوهم، فالحد الأدنى أن يعتزل العمل السياسي ـ ليس الاستقالة ـ لأن ولايته انتهت بانتهاء التاسع من يناير الجاري ـ ويعلن فشل السياسة التي انتهجها وسلطة أوسلوا، ويحرر شعب الضفة ليدافع عن قضيته، ويناصر إخوانه في غزة كما يريد، أو يرحل ليتمتع بملياراته في منتجعات العالم كيف يشاء، حتى يلقى الله. أنا لا أعتقد هذا ـ مع الأسف ـ عباس سلطة فلسطينية، جزء من السلطات العربية، نفس العقلية والوظيفة، قد يركبوا الموجة حين يرون ارتفاعها، وينافقون الشعوب حين يعاينون هدير أمواجها، ولكن حرب العقيدة خالصة لله، والنصر فيها موقوف على ميقات إلهي، ثم معايير إيمانية، والأيدي الملوثة بدماء المسلمين لن ترفع للإسلام راية ولو وقفت على أعتاب تل أبيب، وأن النصر الحاسم لن يتحقق إلا بالربانيين وللربانيين
الإثنين، ٢٩ ديسمبر، ٢٠٠٨
الأقنعة والوجوه الصهيونية
الأقنعة والوجوه الصهيونية
الإحساس العام بالخزي والمهانة مرر حلوق المصريين، ليست هذه هي مصر الأزهر، ولا مصر القوة العسكرية المؤثرة إقليمياً وعالمياً، ولا مصر القوة البشرية الهائلة والفاعلة في كافة المجالات. قاتل الله من أهان مصر وشعبها، وقهره إلى خلفية الصفوف محبطاً حزيناً، وعطل طاقاتها وقدراتها، ونهب وبدد ثرواتها. المذبحة الجارية على مدار الساعة فوق أرض غزة أسقطت الأقنعة لتسفر عن وجوه ممسوخة بلون صهيوني أزرق، وأزاحت الستار عن القِبلة الحقيقية للسلطات العربية ومستهدفاتها. صورايخ وأقنعة إن الصواريخ التي سقطت على غزة كانت كافية لفضح السياسة المصرية وتواطئها مع العدوان الصهيوني الأثيم على غزة الفلسطينية. فالسلطة المصرية كانت تعلم، بل وأشك أنها طلبت الإسراع بضرب حماس لتحقق أهدافاً عدة منها، كسر حماس وتطويعها للدخول في المبادرة العربية للسلام، وهو ما يعني إلقاء سلاح المقاومة والاعتراف بإسرائيل، لتتحول حماس إلى سلطة فلسطينية موازية لرام الله وتابعة لها. والسلطة المصرية موقفها واضح من حماس منذ نتيجة الانتخابات، بل وقبلها، فهي التي طلبت تأخير الانتخابات الفلسطينية إلى ما بعد انتخابات التشريعية في مصر 2005، حتى لا تدعم نتيجتها المتوقعة لصالح حماس الإخوان المسلمون في مصر. والتصريحات الاستفزازية والعدائية خاصة من وزير الخارجية المصري، وآخرها (إن مصر في انتظار عبور الجرحى الفلسطينيين إلي الجانب المصري من معبر رفح, ولكن لا يسمح لهم بالعبور!!!) الأهرام28/12/2008 وقد سود الله وجهه ببيان وزارة الصحة الفلسطينيين الصادر اليوم 29/15/2008 والمعنون ب(بعد أن خدعت الجميع وأبدت استعدادها لاستقبالهم السلطات المصرية ترجع الحالات الحرجة من جرحى المحرقة وتمنع إدخالهم إلى مصر. وأبو الغيط هذا هو الذي قالت ليفني أمامه وعلى ضفاف النيل عن حماس(إينف. إينف . إينف) وعلق بابتسامة بلهاء، ثم أمسك يدها بشياكة وساعدها على السير النزول. ومنها وقف تنامي قوة الإخوان المسلمين في الداخل المصري، وتعويق حركتهم الإصلاحية، وهو ما اعتبرته الحكومة المصرية هدفاً رئيسياً يستحق تغيير الدستور، وسن القوانين، ونصب المحاكمات العسكرية للمدنيين، وتجييش الشرطة وتسخيرها لتجريد الحملات العسكرية على الآمنين في المنازل والشوارع. والسقوط السلطوي المصري تجلى في عدة مظاهر فجة منها: ـ الصمت على الجريمة الشنعاء، بل وتحميلها مسئولية المذبحة لأنها لم تسمع النصيحة ـ على حد تعبير أبو الغيط ـ فض الله فوه ـ ولم نسمع للرئيس مبارك ولا لولده النجيب تصريحاً واحداً عن الجريمة، خاصة وأن الجناة أصدقاءه وعلى رأسهم أولمرت الذي قال عنه في حواره الأخير لصحيفة يدعوت أحرنوت الصهيونية: (.... وكان دائما عند كلمته وإذا قال كلمة ينفذها، وهذا ما أتوقعه دائما من القادة الإسرائيليين، عندما يعطونني وعدا يلتزموا به ..) ـ غلق معبر رفح قبل العدوان وبعده وحتى الآن، وهو جريمة بكل المعايير، ويعجز الشيطان ذاته عن تبريرها. أطباء الإغاثة وشاحناتهم أما المعبر عقب العدوان مباشر، حمولة الطائرتين القطريتين على الأرض مطار العريش في نفس اليوم، سيارات الإغاثة التي جهزها المصريون من أموالهم احتجزتها قوات الأمن المصرية عند كوبري السلام ومنعتها من المرور تجاه العريش، ضوعفت قوات الأمن المصرية ونصبت مدافعها في وجه القادمين من الجهة الفلسطينية. وادعت مصر أنها تنسق مع الفلسطينيين، ولم تنسق، ماطلت طوال أربعة وعشرين ساعة تقريباً في انتظار مبرر للغلق حتى جاء القصف الصهيوني للمعبر والأنفاق، وظنته الحكومة المصرية عذراً يبيض وجهها الذي احترق خزياً وعاراً. ـ قرد سيده أما الإعلام المصري فهو المسخ اللاهي وقت الجد، والقرد اللاعب بأمر سيده، جاهز لتبرير كل شئ، ومهاجمة أي شئ، وقول كل شئ. تنصب الكاميرات ويستدعى الكذبة والأفاقون بعد أن يشدوا أربطة عنقهم بعناية، ويلبسوا مسوح العلم والحكمة، ليخلطوا الأوراق ويلبسوا المعطيات، ويكافحوا لتغييم الحقيقة. اعتدنا عليهم في التشويش على قضايانا الداخلية، وأوجعتنا كلماتهم وسخريتهم، بلاء نتعامل معه بصبر وسعة صدر، ولكننا لن نقبل أن يسلط هذا المسخ بقنواته التي تمول من دماء شعبنا بطعن طليعتنا المقاتلة في غزة، والتواطؤ مع أعدائنا على أبنائنا وإخواننا في فلسطين. حتى مساء الأحد الدامي كانت القنوات المصرية جميعاً ـ الأرضية والفضائية تبث برامجها التافهة التي اعتادت عليها وكأن شيئاً لا يجري على على بوابتنا الشرقية، تجاهل متعمد يصنف في خانة الخيانة الوطنية وفق الدستور المصري (والشعب المصري جزء من الأمة العربية) المادة (1) الباب الأول. ثم جاء دور الجوقة التي احترفت تبرير السلوك الحكومي وتزيين الخطأ الحكومي، وتحويل الكوارث إلى انتصارات ومكاسب، وإضفاء الحكمة والعقلانية على قرارات السلطة ومواقفها. أين الشيخ ولسانه أحزنني أن يكون من بين الذين استغشوا ثيابهم وغطوا رؤسهم، شيخ الأزهر الشريف الذي لم نسمع له صوت، ولم ينطلق لسانه الذي اعتاد الانطلاق والتفلت بتصريح عما يجري في غزة، أم أنه لم يعلم أيضاً ما يجري في غزة؟! أقول هذا وأنا في غاية الألم ـ خاصة أنني أزهري شرعي وأعلم قيمة الأزهر ومكانته ـ. أقول هذا لأنني كنت أرجو أن يخرج شيخ الأزهر لفتح معبر رفح، لو فعلها لرأى مصر جميعها وراءه، ولعلم يقيناً مكانة الأزهر وعلماءه في نفوس الناس. ماذا لو فعلها حقاً؟ فعلها سلطان العلماء العز بن عبد السلام، خرج من القاهرة بعد فتوى لم تعجب الحاكم المملوكي، فخرج أهل القاهرة وراءه ولم يعودوا حتى عاد بعد إن استرضاه المماليك ونزلوا على حكمه الذي كان خاص بهم، وقاس على نفوسهم. لا وجه للمقارنة. أوان الشعب لن يوقف الصهاينة إلا تحرك الشعب المصري، حركة تجبر السلطة المصرية على تغيير مواقفها، ويرهب الصهاينة على التراجع حتى لا يهيج المارد المخدر ويقلب الطاولة على السلطة الحاكمة في مصر. إن الحركة الشعبية في مصر اليوم هي الغائب الحاسم الذي يخشون حراكه قبل استسلام حماس، ولهذا تحث السلطات العربية المتواطئة الصهاينة على سرعة إنجاز مهمتهم بتقويضها وتغيير الواقع فوق الأرض حسب تعبير ليفني. إن الحركة الشعبية المصرية اليوم هي أمل حماس الذي تنتظره بشوق لوقف نزيف الدم والدمار الشامل لتركيعها وإذلالها. إن الحركة الشعبية المصرية اليوم هي وحدها القادة على وقف الزحف البري الصهيوني الغاشم على غزة، وأعلن العدو الصهيوني بدايته بعد ساعات. إن الحركة الشعبية المصرية اليوم هي المخرج من محنة الاستضعاف التي طال أمدها، وأخرجتنا من دائرة الفعل ومكانتنا في قلب الأمة العربية والإسلامية. اللهم إنا نبرأ إليك من مواقف حكومتنا المخزية.
الإحساس العام بالخزي والمهانة مرر حلوق المصريين، ليست هذه هي مصر الأزهر، ولا مصر القوة العسكرية المؤثرة إقليمياً وعالمياً، ولا مصر القوة البشرية الهائلة والفاعلة في كافة المجالات. قاتل الله من أهان مصر وشعبها، وقهره إلى خلفية الصفوف محبطاً حزيناً، وعطل طاقاتها وقدراتها، ونهب وبدد ثرواتها. المذبحة الجارية على مدار الساعة فوق أرض غزة أسقطت الأقنعة لتسفر عن وجوه ممسوخة بلون صهيوني أزرق، وأزاحت الستار عن القِبلة الحقيقية للسلطات العربية ومستهدفاتها. صورايخ وأقنعة إن الصواريخ التي سقطت على غزة كانت كافية لفضح السياسة المصرية وتواطئها مع العدوان الصهيوني الأثيم على غزة الفلسطينية. فالسلطة المصرية كانت تعلم، بل وأشك أنها طلبت الإسراع بضرب حماس لتحقق أهدافاً عدة منها، كسر حماس وتطويعها للدخول في المبادرة العربية للسلام، وهو ما يعني إلقاء سلاح المقاومة والاعتراف بإسرائيل، لتتحول حماس إلى سلطة فلسطينية موازية لرام الله وتابعة لها. والسلطة المصرية موقفها واضح من حماس منذ نتيجة الانتخابات، بل وقبلها، فهي التي طلبت تأخير الانتخابات الفلسطينية إلى ما بعد انتخابات التشريعية في مصر 2005، حتى لا تدعم نتيجتها المتوقعة لصالح حماس الإخوان المسلمون في مصر. والتصريحات الاستفزازية والعدائية خاصة من وزير الخارجية المصري، وآخرها (إن مصر في انتظار عبور الجرحى الفلسطينيين إلي الجانب المصري من معبر رفح, ولكن لا يسمح لهم بالعبور!!!) الأهرام28/12/2008 وقد سود الله وجهه ببيان وزارة الصحة الفلسطينيين الصادر اليوم 29/15/2008 والمعنون ب(بعد أن خدعت الجميع وأبدت استعدادها لاستقبالهم السلطات المصرية ترجع الحالات الحرجة من جرحى المحرقة وتمنع إدخالهم إلى مصر. وأبو الغيط هذا هو الذي قالت ليفني أمامه وعلى ضفاف النيل عن حماس(إينف. إينف . إينف) وعلق بابتسامة بلهاء، ثم أمسك يدها بشياكة وساعدها على السير النزول. ومنها وقف تنامي قوة الإخوان المسلمين في الداخل المصري، وتعويق حركتهم الإصلاحية، وهو ما اعتبرته الحكومة المصرية هدفاً رئيسياً يستحق تغيير الدستور، وسن القوانين، ونصب المحاكمات العسكرية للمدنيين، وتجييش الشرطة وتسخيرها لتجريد الحملات العسكرية على الآمنين في المنازل والشوارع. والسقوط السلطوي المصري تجلى في عدة مظاهر فجة منها: ـ الصمت على الجريمة الشنعاء، بل وتحميلها مسئولية المذبحة لأنها لم تسمع النصيحة ـ على حد تعبير أبو الغيط ـ فض الله فوه ـ ولم نسمع للرئيس مبارك ولا لولده النجيب تصريحاً واحداً عن الجريمة، خاصة وأن الجناة أصدقاءه وعلى رأسهم أولمرت الذي قال عنه في حواره الأخير لصحيفة يدعوت أحرنوت الصهيونية: (.... وكان دائما عند كلمته وإذا قال كلمة ينفذها، وهذا ما أتوقعه دائما من القادة الإسرائيليين، عندما يعطونني وعدا يلتزموا به ..) ـ غلق معبر رفح قبل العدوان وبعده وحتى الآن، وهو جريمة بكل المعايير، ويعجز الشيطان ذاته عن تبريرها. أطباء الإغاثة وشاحناتهم أما المعبر عقب العدوان مباشر، حمولة الطائرتين القطريتين على الأرض مطار العريش في نفس اليوم، سيارات الإغاثة التي جهزها المصريون من أموالهم احتجزتها قوات الأمن المصرية عند كوبري السلام ومنعتها من المرور تجاه العريش، ضوعفت قوات الأمن المصرية ونصبت مدافعها في وجه القادمين من الجهة الفلسطينية. وادعت مصر أنها تنسق مع الفلسطينيين، ولم تنسق، ماطلت طوال أربعة وعشرين ساعة تقريباً في انتظار مبرر للغلق حتى جاء القصف الصهيوني للمعبر والأنفاق، وظنته الحكومة المصرية عذراً يبيض وجهها الذي احترق خزياً وعاراً. ـ قرد سيده أما الإعلام المصري فهو المسخ اللاهي وقت الجد، والقرد اللاعب بأمر سيده، جاهز لتبرير كل شئ، ومهاجمة أي شئ، وقول كل شئ. تنصب الكاميرات ويستدعى الكذبة والأفاقون بعد أن يشدوا أربطة عنقهم بعناية، ويلبسوا مسوح العلم والحكمة، ليخلطوا الأوراق ويلبسوا المعطيات، ويكافحوا لتغييم الحقيقة. اعتدنا عليهم في التشويش على قضايانا الداخلية، وأوجعتنا كلماتهم وسخريتهم، بلاء نتعامل معه بصبر وسعة صدر، ولكننا لن نقبل أن يسلط هذا المسخ بقنواته التي تمول من دماء شعبنا بطعن طليعتنا المقاتلة في غزة، والتواطؤ مع أعدائنا على أبنائنا وإخواننا في فلسطين. حتى مساء الأحد الدامي كانت القنوات المصرية جميعاً ـ الأرضية والفضائية تبث برامجها التافهة التي اعتادت عليها وكأن شيئاً لا يجري على على بوابتنا الشرقية، تجاهل متعمد يصنف في خانة الخيانة الوطنية وفق الدستور المصري (والشعب المصري جزء من الأمة العربية) المادة (1) الباب الأول. ثم جاء دور الجوقة التي احترفت تبرير السلوك الحكومي وتزيين الخطأ الحكومي، وتحويل الكوارث إلى انتصارات ومكاسب، وإضفاء الحكمة والعقلانية على قرارات السلطة ومواقفها. أين الشيخ ولسانه أحزنني أن يكون من بين الذين استغشوا ثيابهم وغطوا رؤسهم، شيخ الأزهر الشريف الذي لم نسمع له صوت، ولم ينطلق لسانه الذي اعتاد الانطلاق والتفلت بتصريح عما يجري في غزة، أم أنه لم يعلم أيضاً ما يجري في غزة؟! أقول هذا وأنا في غاية الألم ـ خاصة أنني أزهري شرعي وأعلم قيمة الأزهر ومكانته ـ. أقول هذا لأنني كنت أرجو أن يخرج شيخ الأزهر لفتح معبر رفح، لو فعلها لرأى مصر جميعها وراءه، ولعلم يقيناً مكانة الأزهر وعلماءه في نفوس الناس. ماذا لو فعلها حقاً؟ فعلها سلطان العلماء العز بن عبد السلام، خرج من القاهرة بعد فتوى لم تعجب الحاكم المملوكي، فخرج أهل القاهرة وراءه ولم يعودوا حتى عاد بعد إن استرضاه المماليك ونزلوا على حكمه الذي كان خاص بهم، وقاس على نفوسهم. لا وجه للمقارنة. أوان الشعب لن يوقف الصهاينة إلا تحرك الشعب المصري، حركة تجبر السلطة المصرية على تغيير مواقفها، ويرهب الصهاينة على التراجع حتى لا يهيج المارد المخدر ويقلب الطاولة على السلطة الحاكمة في مصر. إن الحركة الشعبية في مصر اليوم هي الغائب الحاسم الذي يخشون حراكه قبل استسلام حماس، ولهذا تحث السلطات العربية المتواطئة الصهاينة على سرعة إنجاز مهمتهم بتقويضها وتغيير الواقع فوق الأرض حسب تعبير ليفني. إن الحركة الشعبية المصرية اليوم هي أمل حماس الذي تنتظره بشوق لوقف نزيف الدم والدمار الشامل لتركيعها وإذلالها. إن الحركة الشعبية المصرية اليوم هي وحدها القادة على وقف الزحف البري الصهيوني الغاشم على غزة، وأعلن العدو الصهيوني بدايته بعد ساعات. إن الحركة الشعبية المصرية اليوم هي المخرج من محنة الاستضعاف التي طال أمدها، وأخرجتنا من دائرة الفعل ومكانتنا في قلب الأمة العربية والإسلامية. اللهم إنا نبرأ إليك من مواقف حكومتنا المخزية.
الأحد، ٢٨ ديسمبر، ٢٠٠٨
الحسابات الخاسرة
الحسابات الخاسرة
عندما اختار الشعب الفلسطيني حماس في انتخابات حرة نزيهة شهد لها العالم أجمع، صدمت السلطات العربية لأنها وعت أن التغيير الحاصل بالانتخابات لا يعني مجرد تداول للسلطة بين حزبين سياسيين، ولكنه خيار شعبي للمقاومة ورفض الاستسلام بالواقع الذي أفرزه الضعف العربي، والشتات الفلسطيني، وانهيار فصائل المقاومة القومية المتعددة، وتجرع سم خيار السلام المزعوم. عندها راهن الذين خسروا أنفسهم على تغير حماس، وأن تعاطي السياسة من موقع السلطة يختلف كثيراً عن ممارستها من خندق المقاومة، وخاب ظنهم. رفضت السلطة الفلسطينية المشاركة في الحكومة، وحاربتها منذ اللحظة الأولى لتعويق عملها المستحق شرعياً في إدارة شئون الشعب الفلسطيني، والعمل على إفشالها، ولكنها صبرت ونجحت، وتجاوزت التصريحات والمواقف الغبية. لم يعد أمام السلطة الفلسطينية وداعميها الذين أفقدهم صمود حماس ونجاحها في إدارة شؤون الفلسطينيين، رغم المؤامرات التي كان يحيكها الدحلانيين كل يوم في الشارع الفلسطيني، إلا استخدام القوة، بسلاح صهيوني، وشرعية عربية، لكنها خسرت غزة، وخرجت مدانة لتمارس القهر على شعب الضفة المقاوم. فرضوا على غزة الحصار القاسي، فأغلقوا المعابر، وقطعوا شرايين الحياة، وشاهد العالم أجمع عقاباً جماعياً للفلسطينيين، شاركت فيه مصر بنصيب مساو تماماً لنصيب الصهاينة والسلطة الفلسطينية، وعاش الشعب الفلسطيني في الظلام على الكفاف، وصمد أمام نقص حاجاته الأساسية. حاولوا جر حماس للمفاوضات، والمصطلح عندهم يعني التنازلات وتغيير التوجه، يعني المداهنة وتحويل القبلة، فأبت حماس واعتذرت بأدب جم للسلطات العربية التي تعمل على تركيعها للصهاينة تحت مسميات وطنية براقة. لم يكن أمام الجميع سوى تكسير العظام، ضرب غزة بقسوة لتركع وتستسلم. ليفني في القاهرة في اليوم السابق على الضرب، والتحليل السياسي يربط بين الزيارة والجريمة. تصريحات يهودية تفيد علم بعض القادة العرب بالهجوم على غزة، صادقة أم كاذبة الواقع المؤسف واحد. السلطات العربية تريد تسوية القضية الفلسطينية. السلطات العربية تريد إرضاء الصهاينة والأمريكان. السلطات العربية عاجزة عن التحرك ولو على استحياء لدعم المقاومة. السلطات العربية أعلنت السلام خياراً استراتيجياً ويجب كسر شوكة حماس وتطويعها لهذا الخيار الذي تعجز هي عن سواه. ضربت غزة في (عز الضهر)، ونقلت الكاميرات الضرب الحي، وشاهد كل من له عينين الأشلاء والدماء، رجفة الأطفال هلعاً من قصف ب16 والأباتشي، القتلى والجرحى وهم يحملون بالأيدي وعلى ألواح الصاج، شاهدوا مذبحة مروعة صدمت مشاعر الإنسانية جمعاء. انتظر الصهاينة والسلطات العربية بشغف وتشفي لحظة خروج إسماعيل هنية على شاشة التلفزيون ممسكاً بيد راية بيضاء، وفي الأخرى منديلاً يكفكف به دموع الندم، ويعلن آسفاً أنه أخطأ وأنهم نادمون، وأنهم سيقفون في طابور طويل ليسلموا أسلحتهم، ويفجروا صواريخهم بأيديهم، ويعلنوا توبتهم عن مخالفة الصهاينة المغتصبون، والسلطات العربية الحكيمة. ولكن ذلك لم يحدث. إن الصهاينة ومن وراءهم، والسلطات العربية وأبواقها لم تفهم بعد، ولن تفهم أبداً إلا بعد فوات الأوان. حساباتهم خاسرة. هناك متغير رئيس في الواقع الآن لن يستطيعوا جميعاً تجاهله. حماس ليست مجرد فصيل مقاوم، ولكنها عقيدة تجذرت في القلوب، وخيار للدنيا على الآخرة، وقرار بالحياة الكريمة أو الموت الكريم. لم يقرا الأغبياء هذا في إصرار الجرحى وهم يرفعون أصابعهم بعلامة التوحيد، ولا في كلمات الأمهات الثكالى والأرامل، ولا في الحركة الدءوب في الشارع الفلسطيني تحت القصف،ولا على وجه إسماعيل هنية وهو يلقي بيانه للعالم أجمع في عزة وشموخ. الهجمات الوحشية كافية لإسقاط السلطات الحاكمة، والدكتاتوريات المعزولة عن شعوبها، ولكنها تعجز عن كسر إرادة الشعوب الحية، والشعب المحاصر في غزة يعيش حراً أبياً رغم أنف محاصريه عرباً وعجماً على السواء، وهو في رباط إلى يوم القيامة. الدماء الأبية المراقة لن تضيع هباءً، فكما أحيت القضية الفلسطينية بانتفاضاتها وشهدائها، أحيت الأمة الإسلامية، وأعادت القضية الفلسطينية إلى المربع الأول والصحيح. إنها قضية شعوب وليست قضية سلطات حاكمة. لم يقرا الأغبياء أن دفاع العقيدة يختلف تماماً عن دفاع الوطنية المجرد، والقومية الأجوف، والمذهبية القاصرة. لقد منحت حماس العالم أجمع الفرصة ليروا حقيقة الجهاد في سبيل الله، وروعة العقيدة في صياغة الرجال والنساء والأطفال، والصموالإسلامي أمام القهر والجبروت الجاهلي. هذه حقيقة غابت عن وعي العالم منذ عام 48، باستثناء ومضتها في العاشر من رمضان قبل أن يطفؤها الاستسلام المخزي. لم يقرا الأغبياء أن الأمة الإسلامية حبلى بواقع كريم تعلن عنه شعوبها المقهورة، وأن وقف القدر الإلهي محال على المخلوقين، وأن كل دفقة دم من شهيد تصب في شرايين الأمة، لأن هذه الدماء دماء حياة، لا دماء ممات. إن مذبحة غزة اليوم إعلان بمرحلة جديدة في صراع الأمة مع الصهاينة، جولة جديدة يتراجع فيها الخاسرون، ويتقدم خلالها المجاهدون، وتحسم فيها موازين القوى على الساحة الفلسطينية والإقليمية.
أحمدي قاسم محمد
عندما اختار الشعب الفلسطيني حماس في انتخابات حرة نزيهة شهد لها العالم أجمع، صدمت السلطات العربية لأنها وعت أن التغيير الحاصل بالانتخابات لا يعني مجرد تداول للسلطة بين حزبين سياسيين، ولكنه خيار شعبي للمقاومة ورفض الاستسلام بالواقع الذي أفرزه الضعف العربي، والشتات الفلسطيني، وانهيار فصائل المقاومة القومية المتعددة، وتجرع سم خيار السلام المزعوم. عندها راهن الذين خسروا أنفسهم على تغير حماس، وأن تعاطي السياسة من موقع السلطة يختلف كثيراً عن ممارستها من خندق المقاومة، وخاب ظنهم. رفضت السلطة الفلسطينية المشاركة في الحكومة، وحاربتها منذ اللحظة الأولى لتعويق عملها المستحق شرعياً في إدارة شئون الشعب الفلسطيني، والعمل على إفشالها، ولكنها صبرت ونجحت، وتجاوزت التصريحات والمواقف الغبية. لم يعد أمام السلطة الفلسطينية وداعميها الذين أفقدهم صمود حماس ونجاحها في إدارة شؤون الفلسطينيين، رغم المؤامرات التي كان يحيكها الدحلانيين كل يوم في الشارع الفلسطيني، إلا استخدام القوة، بسلاح صهيوني، وشرعية عربية، لكنها خسرت غزة، وخرجت مدانة لتمارس القهر على شعب الضفة المقاوم. فرضوا على غزة الحصار القاسي، فأغلقوا المعابر، وقطعوا شرايين الحياة، وشاهد العالم أجمع عقاباً جماعياً للفلسطينيين، شاركت فيه مصر بنصيب مساو تماماً لنصيب الصهاينة والسلطة الفلسطينية، وعاش الشعب الفلسطيني في الظلام على الكفاف، وصمد أمام نقص حاجاته الأساسية. حاولوا جر حماس للمفاوضات، والمصطلح عندهم يعني التنازلات وتغيير التوجه، يعني المداهنة وتحويل القبلة، فأبت حماس واعتذرت بأدب جم للسلطات العربية التي تعمل على تركيعها للصهاينة تحت مسميات وطنية براقة. لم يكن أمام الجميع سوى تكسير العظام، ضرب غزة بقسوة لتركع وتستسلم. ليفني في القاهرة في اليوم السابق على الضرب، والتحليل السياسي يربط بين الزيارة والجريمة. تصريحات يهودية تفيد علم بعض القادة العرب بالهجوم على غزة، صادقة أم كاذبة الواقع المؤسف واحد. السلطات العربية تريد تسوية القضية الفلسطينية. السلطات العربية تريد إرضاء الصهاينة والأمريكان. السلطات العربية عاجزة عن التحرك ولو على استحياء لدعم المقاومة. السلطات العربية أعلنت السلام خياراً استراتيجياً ويجب كسر شوكة حماس وتطويعها لهذا الخيار الذي تعجز هي عن سواه. ضربت غزة في (عز الضهر)، ونقلت الكاميرات الضرب الحي، وشاهد كل من له عينين الأشلاء والدماء، رجفة الأطفال هلعاً من قصف ب16 والأباتشي، القتلى والجرحى وهم يحملون بالأيدي وعلى ألواح الصاج، شاهدوا مذبحة مروعة صدمت مشاعر الإنسانية جمعاء. انتظر الصهاينة والسلطات العربية بشغف وتشفي لحظة خروج إسماعيل هنية على شاشة التلفزيون ممسكاً بيد راية بيضاء، وفي الأخرى منديلاً يكفكف به دموع الندم، ويعلن آسفاً أنه أخطأ وأنهم نادمون، وأنهم سيقفون في طابور طويل ليسلموا أسلحتهم، ويفجروا صواريخهم بأيديهم، ويعلنوا توبتهم عن مخالفة الصهاينة المغتصبون، والسلطات العربية الحكيمة. ولكن ذلك لم يحدث. إن الصهاينة ومن وراءهم، والسلطات العربية وأبواقها لم تفهم بعد، ولن تفهم أبداً إلا بعد فوات الأوان. حساباتهم خاسرة. هناك متغير رئيس في الواقع الآن لن يستطيعوا جميعاً تجاهله. حماس ليست مجرد فصيل مقاوم، ولكنها عقيدة تجذرت في القلوب، وخيار للدنيا على الآخرة، وقرار بالحياة الكريمة أو الموت الكريم. لم يقرا الأغبياء هذا في إصرار الجرحى وهم يرفعون أصابعهم بعلامة التوحيد، ولا في كلمات الأمهات الثكالى والأرامل، ولا في الحركة الدءوب في الشارع الفلسطيني تحت القصف،ولا على وجه إسماعيل هنية وهو يلقي بيانه للعالم أجمع في عزة وشموخ. الهجمات الوحشية كافية لإسقاط السلطات الحاكمة، والدكتاتوريات المعزولة عن شعوبها، ولكنها تعجز عن كسر إرادة الشعوب الحية، والشعب المحاصر في غزة يعيش حراً أبياً رغم أنف محاصريه عرباً وعجماً على السواء، وهو في رباط إلى يوم القيامة. الدماء الأبية المراقة لن تضيع هباءً، فكما أحيت القضية الفلسطينية بانتفاضاتها وشهدائها، أحيت الأمة الإسلامية، وأعادت القضية الفلسطينية إلى المربع الأول والصحيح. إنها قضية شعوب وليست قضية سلطات حاكمة. لم يقرا الأغبياء أن دفاع العقيدة يختلف تماماً عن دفاع الوطنية المجرد، والقومية الأجوف، والمذهبية القاصرة. لقد منحت حماس العالم أجمع الفرصة ليروا حقيقة الجهاد في سبيل الله، وروعة العقيدة في صياغة الرجال والنساء والأطفال، والصموالإسلامي أمام القهر والجبروت الجاهلي. هذه حقيقة غابت عن وعي العالم منذ عام 48، باستثناء ومضتها في العاشر من رمضان قبل أن يطفؤها الاستسلام المخزي. لم يقرا الأغبياء أن الأمة الإسلامية حبلى بواقع كريم تعلن عنه شعوبها المقهورة، وأن وقف القدر الإلهي محال على المخلوقين، وأن كل دفقة دم من شهيد تصب في شرايين الأمة، لأن هذه الدماء دماء حياة، لا دماء ممات. إن مذبحة غزة اليوم إعلان بمرحلة جديدة في صراع الأمة مع الصهاينة، جولة جديدة يتراجع فيها الخاسرون، ويتقدم خلالها المجاهدون، وتحسم فيها موازين القوى على الساحة الفلسطينية والإقليمية.
أحمدي قاسم محمد
عضو اللجنة التنفيذية العليا لحزب العمل
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)