السبت، ٢٣ يناير، ٢٠١٠

فاعل مصر مجرور

فاعل مصر .......... مجرور
فاعل مصر كان دائماً مرفوعاً. لأنه عربي أصيل يقف في مقدمة الصف العربي، ويستفتح به دائماً، فهو الأول والأكثر ثراءّ ووجوداً على الساحة العربية
كان يقف مزهواً بهمزته التي تتوجه بين الحروف جميعاً، الكل يعرف قدره ومكانته. لقد كان الفاعل الذي تصدر عنه جميع الأفعال، يملك إرادة وقدرة على الفعل، ودائماً كان فوق المفعول به، حتى اتهم بأنه طاغية، والتصقت به التهمة، وكاد الناس يعتبرونها حقيقة.
وكان الفاعل في مصر ملكاً حقيقياً مرفوع الرأس، يختال بها ويفخر على جميع الحروف في الأبجدية العربية.
ولأن فاعل مصر دائماً مرفوع، فهو قوي بما يكفي فلا يقدر أحداً على كسره.
وكان يتخذ نائباً يعيش مرفوع الهامة بين الجميع، يحل محله ويؤدي فعله، في غيابه الإرادي أو الاضطراري.
ولكن فاعل مصر لم يعد له نائباً، أصبح وحيداً بغير نائب، فسر العلماء هذه الظاهرة الغريبة بقولين: قال فريق: فاعل خائف جبان، لا يقبل بأحد معه، يخشى أن يسلبه صلاحياته، أو يعرف سره، لأنه فاعل مزيف ودخيل على المنظومة الأبجدية.
قال آخرون: هو ضعيف بالفعل ولكن ضعفه يأتي من تشاؤمه، يرتعد من وجود نائب، لأنه يعتقد أن النائب نذير شؤم على الفاعل، هكذا صور له وهمه وخياله المريض.
ذات يوم غائم لم تطلع له شمس، دفع الرعب فاعل مصر، إلى الخروج من المنظومة الأبجدية، فخرج.
أراد أن يكون فاعلاً بمفرده، فاعلاً خارج المنظومة على طريقة النسق العربي الأصيل، ولكنه غرد وحيداً خارج السرب، شاذاً منبوذاً.
من يومها لم يعد فاعلاً، فقد القدرة على الفعل الإيجابي، وخسر مكانته في منظومة الحروف.
قالوا أنه أصبح مفعولاً به، وأقاموا الحجج والبراهين على صدقهم، والجميع يصدق هذا، الفاعل لم يعد عربياً، لأن الفاعل العربي قادر على الفعل ومرفوع.
وعندما احتار الناس في تفسير الأمر ةوأرادوا حل لغزه توجهوا إلى فقهاء اللغة، سألوهم عن سر الفاعل الذي أصبح مفعولاً به؟
قال سيبويه بلهجة ساخرة: الفاعل في العربية لا يمكن أن يكون مفعولاً به، المفعول به ضعيف دائماً، لأنه المسكين الذي يقع عليه الفعل، ولهذا فهو يأتي منصوباً.
وعندما قلنا لهم أن الفاعل عندنا مجرور، أشاح الفراء بيده ضجراً وقال: ـ الفاعل لا يأتي مجروراً أبداً، إلا في حالة شاذة، وإذا شز لا يجر، ولكن محله فقط هو الذي يصبح مجروراً، عرفنا الفاعل العربي دائماً بأنه مرفوع، يجب أن يكون مرفوعاً، وإلا فلن يكون فاعلاً!!
فما الذي يجر الفاعل عندنا؟
قلنا إن المجتمع تغير، ووسائل الجر لا تعد ولا تحصى، والضغط عليه جرفه فأصبح مجروراً، هذا واقعنا، اعتدنا من فاعلنا أنه مجرور دائماً.
قال: هذا كلام فارغ، فاعل يأتي مجرور دائماً لا يمكن أن يستقيم المعنى.
قال الأخفش غاضباً: آخر زمان فعلاً، الفاعل عندكم في مصر لم يعد فاعلاً.
ثم نظر إلى غاضباً وقال لأصحابه بصوت متوتر: قوموا بنا، هؤلاء لهجتهم غريب، لا هم عرب ولا مصريون.
قال ابن منظور بهدوء ورصانة: صبراً حتى نفهم، هل يمكن أن يصبح الفاعل عاجزاً عن الفعل. أو مجروراً، أو مفعولاً به؟
قلنا له: نعم. اكتشفنا هذا في حياتنا، وحتى الآن نحن عاجزون عن تغييره.
قال أبو الأسود: اسمعوا، سأقول لكم قولاً فصلاً، كل شيء ممكن مادام خارج المنظومة العربية، أنت تتكلمون عربية غير عربيتنا، وهذه ليست لغتنا، وهذا ليس فاعلاً، فاعلكم ليس عربياً.
هل يمكن أن يكون فاعلنا أمريكياً أو أوروبياً أو صهيونياً؟
قال سيبويه: الفاعل لا يمكن الحكم عليه إلا من فعله، فإذا لم يكن له فعل، فيمكن أن يكون أي شيء آخر ولو تحلى بهمزة مزورة، ولكنه لا يمكن أن يوصف بأنه فاعل.
قال الأخفش: وهو ينتفض واقفاً: باختصار الفاعل عندنا هو الذي يصنع الأفعال، فإذا فقد القدرة على الفعل فهو ليس بفاعل، سموه أي شيء آخر غير الفاعل، سموه مهرجاً، أو دمية، أو يمكن أن يوصف بتعبير العامة عندكم قرطاس لب.
إذا كان فاعلنا قرطاس لب، فلا حاضر ولا مستقبل، ونحن في العراء، أو خارج دائرة الحياة والزمن، ولن تجدينا الحسرة على الفاعل المفقود الذي كان يصنع الفعل، في زمن المنظومة العربية.

الجمعة، ٢٥ ديسمبر، ٢٠٠٩

عفواً حواء

داهمتني هذه المشاعر الشاكرة لنصفي الرقيق فجر الأربعاء 19/4/2009 ولم أجرؤ على نشرها إلا الآن، أغمضت عيني وألقيتها هنا وحسبي أني صادق، ومن استهجن كلماتي فليعذر ضعف كهل عجز عن الصمت فباح.
عفواً حواء
ما عدت أحتمل البقاء
ما عدت قادراً والصمت يجأر داخلي
والقلب بالأسرار ناء
سأطير عصفوراً واحكي قصتي
سأكتب بالغيم على خد السماء
سأوشوش النبت البهيج بلا خجل
وأرسم الأشعار في الأرجاء
ويفوح مني ما أحس بلا وجل
وأدغدغ نجمنا الزاهي الوضاء
وأسابق الريح المزمجر في فرح
وأناجي الأموات والأحياء
آه حواء
لولا زهوراً أنبتها في حجراتنا
وشيب رأسي والحياء
لفضحت صمتى المكدود في كل الدنا
وصدحت بالمكنون في جوف الفضاء
أنا المسكين بالسر الذي
ضاقت به الجنبات والأنحاء
فارحم إلهي بفضلك من رواني
لذة وبهجة وضياء

الإثنين، ٢٦ أكتوبر، ٢٠٠٩

من أوراق جاليليو المحرمة

أنا لست شاعراً، ولكنه ياتيني كنوبات موسمية، وهذه إحدى مداهماته لي فعفواً
من أوراق جاليليو المحرمة
(1)
سيدي الكاردينال
مخلوق فوق الآلهة
في المحراب شرب الخمر وبال
رسم دوائر ساحرة
وتحدث عن هرطقة وخبال
في روثته ينبت ورد وقصائد شعر
من بين أصابعه القدسية
يتجلى كل محال
يتخلق فن العهر والقهر
يستنسخ قردة
أقزام ورجال
أعشاب برية بمساحات الوطن المظلم
ترفع نخب الشيطان
ترقص للنار
تقبل ثوبه الملكي الأسود
وتسب المنظار
تلتقط شاكرة كسرة خبز متربة
تستجدي عطف الغفار
سيدي الكاردينال
عفواً
هذا جسدي في مذبحك مسجى
لكن روحي
أرفعها بيدي
أنصبها للمارين بظلمات البحر فنار



(2)

المجد للمنشور
المجدد للمنشور
إله العصر
وكل العصور
عفواً سيدي
أنا وشعاع الضوء الأبيض
كلانا مغرور
أنا وشعاع الضوء الأبيض
كلانا مقهور
كلانا مكسور



(3)

في ركن الغرفة العلوية
كومة عظم لين
وبقايا ستار
عقب سيجار محترق بتفان
وأرجل المنظار
لم يبق إلا هم
جند الكاردينال حملوا المنظار الكافر
اغتصبوا آخر نفس صالح للرئتين
آخر شربة ماء بادرة
آخر نور في العينين
لكن في صدري عصفور ينبض
بعد غروب الشمس
يتخلق في شرنقته
في جوف الليل سيولد منظار.



(4)
هنا وقف الكاردينال
نظر إلي
بصق مضغة تبغ مستهلكة
قال:
اقطع رأسك أو نقطعها
نظرت إليه بعينين سائلتين
واستجديت الكلمات
سيدي
المنظار الأحمق ضللني
أوهمني أن الأرض تدور
لا شك. كفر وفجور
هلوسة الضوء وهرطقة المنشور
الأرض يا سيدي لا تدور
أنا اعترف الآن
الأرض لا تدور
زنديق أو مقهور
من يزعم أن الأرض تدور
نحن الذين ندور حول عمود الساقية الأحمق
في بئر جاف
وأرض بور


(5)
سيدي الكاردينال
سأبوح بسر
وأنا مصلوب فوق الآلة
قرأت الحكمة في عين الجلاد
العصيان محال
حسيس العضلات الفاجر أعلن
العصيان محال
العظم المتباعد يفسح للفكرة
العصيان محال
من يقرأ بالمنظار زنديق محتال
فلترحمني حكمة آلتك العجماء
كي أنشد للعالم أجمع
العصيان محال
العصيان محال





سنورس في صباح الخميس: 23/4/2009

الخميس، ٣٠ يوليو، ٢٠٠٩

الحياة بلون عيوننا

الحياة بلون عيوننا
وقف التاكسي أمام المبنى الشاهق، دعاها السائق للنزول، عندما وضعت ساقها اليسرى على الأرض أحست بشحنة كهربية مجنونة سرت فيها، أشفق السائق من تألمها الذي نقل إلى جسده لسعة الشحنة الكهربية الطائشة، رجاها ألا تتعجل، استندت على عصاها، ولملمت ثيابها واستقامت قدر ما سمح لها عمودها الفقري، قبل أن تخطو فوق الباحة الرخامية تطلعت إلى المبنى الشاهق في يأس ومرارة، لا بديل عن الخوض في هذه العلبة الخرسانية المكتظة.
منذ كسرت ساقها اليسرى أثر سقطتها في المطبخ، وهي حذرة في خطواتها، تتوقع نوبة الدوار مع كل حركة، تحذر الانزلاق مع كل خطوة، ابتسمت عندما وعت المفارقة، وزنها أصبح خفيفاً جداً، إلا أن جسمها يبدو أثقل وزناً عما مضى. الحذر في المشي يحرمها متعة النظر إلى وجوه الناس والتعرف على ملامحهم. هواية بدأت مع فراغها الذي شاركها مسكنها، ليس في الشقة سواهما، والذكريات تطل من حين لآخر حسب ما تجود به الذاكرة المكدودة. كانت تكمن للحياة الجارية في عرض الشارع خلف نافذة حجرتها بالدور الأرضي، تتفرس في وجوه المارة بقدر ما تعي عيناها الواهنتين، استفزاز لأرشيف الذاكرة ليفتح ملفات العمر الطويل الذي مر كأنه حلم عابر.
عزاؤها أن الوجوه التي تراها جميعها غريبة، الوجوه المألوفة رحلت، الأيام الراحلة تأخذ نصيبها من كل شيء، استدعاء الملامح أصبح عملية شاقة يعتذر عقلها بأدب عن الوفاء بها.
التوغل في العمر يعني التوغل في الغربة، كل شيء أصبح غريباً من الأسماء إلى الملابس وقصات الشعر، حتى ضحكات الناس اختلفت عن .. عن .. الأيام التي كانت تضحك فيها.
في ردهة الاستقبال الفسيحة أخبرها موظف الاستعلامات بأن المعاشات في الدور الأول، أشار إليها وفمه محشو بقضمة من وجبته الصباحية.
ـ اطلعي على السلم، المصعد لا يقف في الدور الأول، مسافة بسيطة.
الدرج اختراع حديث، الإنسان القديم كان ماهراً في صعود الجبال والأشجار، كانت له بنية جسدية نشأت في العراء، وكانت بيئته نظيفة.
يد تقبض على العصا، والأخرى تتشبث بحديد الدرج الغليظ، الكتل البشرية المندفعة صعوداً وهبوطاً تفجر قشعريرة في جسدها، تحذر من ضربة ذراع ملوح، أو دفعة من لحم بارز عن حدود الجسد الطبيعية.
عند نهاية الدرج كان لابد للجسد المنهك من راحة تعيد الأعضاء التي تنافرت لتسكن كما خلقها الله، توقف العراك المحموم بينها، كل يلقي باللوم على الآخر، والكل برئ.
اعتادت على الأوجاع، أصبحت جزءً من مكوناتها، ولا دواء للهرم.
وجَّهها أحد العاملين إلى مكتب في نهاية الممر على اليسار، استبشرت خيراً عندما رأت كرسياً خالياً، طلبت من جسدها المتألم أن يعيد توازنه فوق هذه المساحة الفارغة، وضعت يديها على مقبض عصاتها واسندت جبهتها إليه، جلست ترجو قلبها أن يهدأ لينتظم تنفسها المضطرب.
عندما سكنت أعضاؤها وحل فيها السلام، أحست بوجودها أمامها مباشرة، ثياب أنثوية، امرأة متوسطة العمر، يميزها وجه طفولي وابتسامة ملائكية ينفسح لها القلب بمساحة كامل الجسد، نظرت إليها في حنان أمومي. ـ السلام عليكم أستاذة خديجة؟ ـ أهلاً يا ابنتي. ناولتها يدها لتستند إليها، دعتها إلى غرفتها، واسعة جميلة، تخبر المتأمل عن لمسات أنثوية رقيقة رصعت الأركان والزوايا، ذوق رفيع وحساسية مرهفة للألوان. أمرت الساعي بعصير الليمون، وجلست في المقعد المجاور، أقبلت عليها بابتسامتها الرائقة قائلة: ـ رأيتك من خلف الباب الزجاجي تمرين من أمام مكتبي، خير يا أستاذة؟ ـ توقف المعاش وطالبوني بمراجعة الهيئة.
ذاكرتها المكدودة عجزت عن استدعاء صورتها، لكنها هيجت الخواطر والاحتمالات التي راحت تنبض في تلافيف وعيها.
كانت رحيمة، قطعت حيرتها المخجلة:
ـ أنا تسنيم.
سرت كلمتها كنسمة صيف على وجه ملبد مرهق، طوق نجاة من أمواج التخبط والاندهاش، اقتراب من شاطئ الحقيقة، سارعت بقولها: ـ إحدى تلميذاتك يا أستاذة، هل تذكرينني؟
دفعت كلماتها بطاقة تسنيم إلى بؤرة الذاكرة، طفلة مميزة، المعلمون لا ينسون تلاميذهم المميزون رغم تراكم السنين، احتضنتها بعينيها، تغيرت الملامح، لكنها مازالت تحمل براءتها. ـ هل تذكرين يا أستاذة، أنت علمتيني كيف أصلي، حملتيني بيديك هاتين كحمامة وديعة لأقف فوق المائدة الكبيرة، وأمثل الصلاة أمام تلاميذ الفصل. هل تذكرين؟
قالت ذاهلة وهي تغوص في عمق ماضيها الجميل: ـ نعم .... تسنيم، أهلاً حبيبتي. ـ دقائق يا أستاذة سأنهي أمر المعاش حالاً.
كانت تظن أن ذاكرتها أجدبت، إنها الآن حديقة غناء ثرية بألوانها وعطورها وطيورها، الماضي البعيد حي في قلبها الآن، مشاهد الحياة الجميلة تتواتر في منظومة ملونة بديعة.
مشهد تسنيم الطفلة فوق المائدة كان مثيراً، كانت خاشعة وكأنها ترى الله بعينيها، لم تتأثر بضحكات بعض زميلاتها أو تعليقاتهم عليها. مثلت الصلاة في خشوع مهيب، الذي لم تعرفه تسنيم حينها أن معلمتها تأثرت بهيئتها الخاشعة في الصلاة وانطلقت من صدرها شهقة أحست أن روحها ستخرج معها، لم يمنعها سوى دمعات ثخينة التقطتها بمنديلها سريعاً قبل عيون الأطفال الفضولية، دمعات ثبتت القلب المهتاج.
إنها الآن تذكر.
وجوه التلميذات، السبورة الخضراء، لوحة الشرف للأخلاق الحسنة والتميز الدراسي، أشكال معلقات الحوائط وألوانها، أشجار المدرسة المهذبة، سجاد المصلى الذهبي، محرابه الأبيض المهيب، ستائر نوافذه التي أبدعها قسم الأشغال بالمدرسة، أم إبراهيم عاملة المسجد التي لا تغادرها الابتسامة، .........
ـ مشكلة المعاش انتهت يا أستاذة.
ـ بهذه السرعة! شكراً يا ابنتي، إذاً آن الأوان لأنصرف؟
أمر بالهبوط من النعيم، استدعاء قاس للواقع الراكد.
ـ أنت في ضيافتي، يسعدني وجودك.
ـ أنت رقيقة منذ طفولتك، ولكن هذا مكان عمل، شكراً لك يا ابنتي.
ـ استأذنت لأصحبك إلى المنزل، أحب أن أفعل هذا بنفسي.
عندما مدت تسنيم يدها لتساعدها على القيام لم تجد صعوبة في الوقوف أو الحركة، لا أثر لألم الساق اليسرى، إنها تمشي برشاقة لم تعهدها في نفسها منذ سنوات، تكاد تستغني عن العصا التي كان يصعب الحركة بدونها، أحست بأن ظهرها الذي كان منحنياً استقام كرمح من الحديد الخالص. تصفحت وجوه الكتلة البشرية السابحة فوق الدرج، أحست أن الكثير منها مألوفاً لديها، حركة جماعية منتظمة كسرب طيور مهاجرة في أمان.
أصرت تسنيم على اصطحابها حتى باب شقتها، أرادت أن تشكرها، فرت كلماتها حياءً.
ـ اغفري لي يا أستاذة، جيلنا قصر في حقكم، هل تسمحين لي بزيارتك؟
ضمتها إلى صدرها، لمست خديها بحنان أمومي دافئ، وجدت لها ابنة حبيبة بعد سفر ولدها للخارج، ورحيل ابنتها مع زوجها للحصول على درجته العلمية، ملأت عينيها من صورتها الملائكية البريئة، وأغمضت عليها بحرص مخافة أن يتسرب منها شيء، غمرتها نشوة تكفي زاداً لمئات السنين.
كلما توغلنا في الوهم ابتعدنا عن الحقيقة، الحياة جميلة، لكنها تأخذ لون عيوننا.

أحمدي قاسم محمد

الخميس، ٢١ مايو، ٢٠٠٩

الأخطبوط والطغاة


للأخطبوط: ثمانية أذرع وقلبان وعينان.

وللطغــــاة: أذرع بعدد الكلاب الحارسة.

وقلبـيـــــن: أحدهما ممتلئ بالرعب من شعبه.
والآخر حجر صخري مصمت.

وعينــــين: كلاهما عمياوان.

الأربعاء، ١١ مارس، ٢٠٠٩

مشهد النهاية (لعنة الفراعنة)

يدفعني الحنين لإعادة قراءتها من زمن لآخر، استرجع حوار مشهد النهاية، أحب قراءته. كتبته سنة 1988 في ختام مسرحيتي ـ لعنة الفراعنة ـ أحببت أن يقرأه إخواني.
هل هي إشارة إفلاس. ربما. عفواً المسرحية نشرت سنة 2001 ووزعتها مؤسسة الجمهورية.
******************************************************************
فرعون : هل عدتم ثانيه للثورة . لن تجدوا عندي إلا السيف وزبانية مهرة.
والقتل يسير لا يجهد . يمتعني .
تغريني رءوس الكفرة وأراها ثمرات نضجت تدعوني للقطف.
أطعمها كلابي القذرة والقـــردة، يا غدرة . أفسدتم أنفسكم
لجهـــــــــــالتكم بأساليب اللعبة . استمعوا للحكمة .
لو بقيت شاة من شعبي لحكمت الشاة ولم أنزل.
وأضحى بالكل سواء، فالعرش في نظري أجمل .
يا جهلة . استمعوا للحكمة .
الحاكم ما زال القاتل وكذا يبقى حتى يُقتل.
وأنا ربكم الأعلى سلطاتي أعظم وأجل.
الرأي الآخر يعجبني فأروني من سئم الذل؟
من مل حياة عبادتنا فيمدد رقبته للفل.
فيريح النفس ويرتاح . لو شئنا لذبحنا الكل.
الشاعر : مولانا الأرض تئن من الألم والشمس حزينة.
والحب وراء الأسوار رهينة.
والشعب ينقب في ظلمت الليل عن الحق وأنوار الحق سجينه.
والطير في جو سمائي يضمر في الصدر ضغينة.
وبذور الشرف المرجوة في عمق الطين مهينة.
والطفل النبات في عرض الشارع يرثى أما مجنونة.
فرعون : اخسأ يا باغي الفتنة.
الشاعر: مولانا قوادك يحفر في رأسي يبحث عن كل دفينة.
عن كنز. عن خمر. عن جاريه كالبدر.
يبنى للشيطان مدينة.
قوادك ينسج من لحمى ثوباً. يبنى من عظمى سفينة.
يبسط ساقيه في عرض الوادي يفرز قيحاً وصديداً وأهازيج لعينة.
فرعون : موسى يبغى في الأرض الفتنة. يرجو أن يمهل يوم الزينة.
اسمع يا هامان. يا ملأي : موسى يرجو أن نبنى عرينه.
تطمع في إيمان السحرة ؟! .
دعك من الماضي وحنينه. أنت الآن بقبضتنا .
قبضتنا صارت مجنونة .
لن تذهب للطور الأيمن . لن تدخل أبدا إلى سينا.
لن تسرى بعبادي ليلاً . أو تبنى مع نوح سفينة.
محصور بين الشقين . سيفي والأمواج لعينه.
لن أترك باباً تسلكه. سَأُخَلِي للكل سبيله.
الجميع : يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا الإنسان .
هامان : فرمان من مولانا الفرعون الأعلى .
فرعون: في الحانات يولد كل الولدان كي تنشأ وتشب على الحرية.
هامان : عاش الفرعون الأعلى .
الجميع : يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا الإنسان.
هامان : فرمان من مولانا الفرعون الأعلى.
فرعون : تلغى حجرات النوم، تهدم كل الجدران .
ستكون مضاجعه النسوة في الطرقات، وفي الحانات.
وعلى قارعة الحارات . وفى كل الأحيان.
وحرام أن تأخذ ستراً. وسنتبارى في الميدان.
من يأتي ألف امرأة في ساعة أمنحه وسام الشجعان.
الجميع : يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا الإنسان.
الشاعر : حطموا سجنكم وحرروا أنفسكم.
الجميع : ( وهم يدفعون ) يا فرعون نرفض حكمك نرفض أن تمسخ فينا
الإنسان .

ســـــــــــــــــــــــــــتار

الإثنين، ١٦ فبراير، ٢٠٠٩

هذه لحظة تاريخية فاغتنموها

مع بداية الأسبوع الثالث للعدوان ذاب الضباب تماماً من سماء غزة، أشرقت شمس الحقيقة على أرض الرباط لتتألق مفرداتها أمام العالم أجمع وتنطق بلسان عربي مبين، ورسالة بليغة للعالمين. ـ القضية ليست حماس، إنها شعب غزة، فخيار الجهاد ليس خيار فصيل مقاوم قُدِّر له أن يحكم مليون ونصف من البشر، ولكنه خيار المليون ونصف من البشر، وأن البطاقات الانتخابية التي حررها الشعب الفلسطيني وصبها في الصناديق لصالح حماس، لم تكن لحماس بقدر ما كانت خياراً صريحاً للجهاد والمقاومة المسلحة كعقيدة ونهج حياتي، وحل لمعالجة قضية الاحتلال والعدوان، وهذا ما وثقته وسائل الإعلام وهي تنقل رد الفعل العفوي للغزاويين مع تباين أعمارهم ومستوياتهم الثقافية. ـ أن هذا الثبات الجهادي المبهر الذي قدر الله تعالى له ينبت وينضج بعيداً عن أيدي السلطات العربية، وبعيداً عن سجونها ومعتقلاتها وتجويعها في شطر الأمة، وبعافية من رفاهيتها وإسرافها وإلهائها في الشطر الآخر، انتقام ورد اعتبار لآبائهم المجاهدين الذي انطلقت أجسادهم ملبية نداء أرواحهم للدفاع عن فلسطين وقت النكبة الأولى، فأعادتهم السلطات العربية مكبلين في الأصفاد إلى السجون والمعتقلات، ودفعت بجيوشها النظامية لتهزمها العصابات الصهاينة وتمزقها في الصحراء، ثم تعود خائبة لتدخل نفق التفاوض بأيدي خاوية، وتضيع فلسطين إلى الآن. ـ أن الكيان الصهيوني ضعيف وليس بالقوة التي ترهبها السلطات العربية، فالجيش الذي لا يقهر، والذي هزم جيوشاً قادتها ودربتها السلطات العربية في ساعات، يقف اليوم عاجزاً أمام فصيل مقاتل، يتحداه ويتلاعب به أمام العالم أجمع، ويهين كبرياءه المزعوم على مدى أسبوعين كاملين رغم أنه يقاتل فوق أرض يحفظ دقائق تضاريسها، ويجول في سمائها بلا شريك، وبكل ما يملك من قوى وتقنيات ودعم مادي وسياسي. ـ أن قتل المدنيين فعل انتقامي للصهاينة، هزيمتهم في ساحة المواجهة، وعجزهم أمام رجل العقيدة، دفعتهم لإغاظته في أهله، لارتكاب جريمة قصف النساء والأطفال عن عمد وإرادة، وهو رد فعل الفاجر عندما يعجز، وعمل اعتادت عليه العصابات الصهيونية، وبه قامت دولتها في عيوننا. دفتعهم للانتقام من المساجد التي كانت بمثابة الحضانات الإيمانية المفرخة لكتائب الإذلال الصهيوني. ـ أن الأمة حية لم تمت، وأن دماء الشهداء هي ذاتها دماء الإحياء، هذا ما أعلنته الجماهير التي هبت ملبية بأموالها وحناجرها، تمني نفسها بالجهاد في غزة، والانتقام لمئات الآلف الذين غدرت بهم العصابات الصهيونية منذ بدأت مشروعها الاغتصابي للأرض المباركة. هذه الجماهير المسلمة التي تنادت واحتشدت في جميع أنحاء المعمورة، أعلنت بفصاحة أن أمة محمد  لن تموت لأنها تحمل رسالة من الله إلى الناس كافة، وأنه لم يزل لها دور تلعبه في تاريخ الإنسانية، وزمن قيادتها أشرف فجره على الانبثاق. ـ أن الجهاد فوق أرض الرباط الآن كشف للعالم أجمع مدى بشاعة الكيان الصهيوني الذي صنع له الإعلام الغربي زوراً وبهتناً وجهاً حضارياً مشرقاً، وفي ذات الوقت وصم الفلسطينيين والعرب عامة بالإرهاب والدموية والخطورة على الحضارة الإنسانية، هذا فضلاً عن الجهل والتخلف الذي التصق بالعرب في العقلية الغربية الغافلة عنهم. الآن أسقط الجهاد الفلسطيني فوق أرض غزة هذه الأكاذيب، وفضح المسخ الصهيوني الاستعماري البشع، في حين كانت تعجز الحملات الإعلامية القوية المخلصة على مدى عقود وعقود عن فضحه وتعريته.. إن الدماء الفلسطينية الطاهرة فوق أرض الرباط الآن أظهرت الوجه الحقيقي للكيان الصهيوني العنصري الذي يرتكب أبشع الجرائم تحت سمع العالم وبصره بلا حرج، ويتورط بعمى مثير لأنه يتصرف بعفوية القوي الذي أمن الحساب والعتاب على السواء. ـ أن السلطات العربية قطعت شوطاً بعيداً عن شعوبها، فقد عملت على إخراجها من دائرة الفعل، وصنع القرار، واختارت أن تقف في العراء بلا قوة حامية، فاندفعت مرعوبة لأحضان أعداء الأمة الذين تلقفوها وعاملوها معاملة التابع الذليل. جاءت المظاهرات الحاشدة التي عمت العالم الإسلامي بمثابة استفتاء شعبي حر ومباشر على خيار المقاومة والجهاد المسلح، وانتهاء زمن المبادرات العربية، والخيار الاستراتيجي للسلام. لهذا يجب على الحكام العرب الذين كانوا يلهثون وراء السلام ويستجدونه من إسرائيل بلا جدوى، ألا يجدفوا ضد التيار الشعبي الهادر، وعليهم أن يستثمروا اللحظة التاريخية الرائعة ليستعيدوا مكانتهم وإرادتهم على الفعل وإدارة شئون شعوبهم كمؤسسات حاكمة. فهل وعت الحكومات هذه الحقيقة؟ حقاً لقد تدرج وعي هذه الحكومات بحقيقة التحول الذي طرأ على طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوأمريكي مع أيام العدوان الغاشم على غزة في السبت 27/12/2009. فمنهم من كان له دور مشارك في العدوان منذ البداية. ومنهم من انتظر ظناًُ منه أنها كانت مجرد حملة تأديبية ستعيد بها إسرائيل السلطة الفلسطينية إلى غزة بالقوة بعد أن تقضي على حماس وينتهي الأمر. ومنهم من فقد القدرة على الحركة في أي اتجاه. ومنهم من كانت له رؤية تحددها عقيدة وخط نضالي واضح وهم قلة. فهل يمكن أن تتطور هذه الرؤى السلطوية لتواكب التقدم الجهادي الذي اختزل الزمن، وأدار الأحداث نحو الاتجاه الصحيح؟ الأحداث على الأرض تؤكد عكس هذا، فهاهم يسيرون وفق طبيعتهم عكس الاتجاه، وجل همهم تحويل الانتصار العسكري الرائع في غزة لصالح الصهاينة، ومنحهم ما عجز عنه جيشهم الذي لا يقهر ـ حسب زعمهم ـ. بلغوا حداً مخزياً ومقززاً من الضعف والتهافت، فلا هم قادرون على اتخاذ قرار عندما اجتمع وزراء الخارجية، وهم عاجزون عن الضغط لإصدار قرار في مجلس الأمن، والآنسة كوندا تجتمع بمن تشاء ومنهم، وتحرم من التطلع لمحياها من تريد. في الصباح وقف عباس في القاهرة في موقف بائس مثير للاشمئزاز والسخرية، وهم يلقنونه عن اليمين والشمال ـ يتباكى على الدماء الفلسطينية وكأنهم ليسوا شركاء فيما يجري، وكأنهم لم يتمتعوا بحماماتهم الدافئة، ويعقدوا أربطة أعناقهم بمهارة، استعداد لدخول غزة على دبابة صهيونية فوق أشلاء حماس كما رأوها في أوهامهم وخيالاتهم المريضة. لو كان عباس صادقاً في عاطفته وموقفه كما يوهم، فالحد الأدنى أن يعتزل العمل السياسي ـ ليس الاستقالة ـ لأن ولايته انتهت بانتهاء التاسع من يناير الجاري ـ ويعلن فشل السياسة التي انتهجها وسلطة أوسلوا، ويحرر شعب الضفة ليدافع عن قضيته، ويناصر إخوانه في غزة كما يريد، أو يرحل ليتمتع بملياراته في منتجعات العالم كيف يشاء، حتى يلقى الله. أنا لا أعتقد هذا ـ مع الأسف ـ عباس سلطة فلسطينية، جزء من السلطات العربية، نفس العقلية والوظيفة، قد يركبوا الموجة حين يرون ارتفاعها، وينافقون الشعوب حين يعاينون هدير أمواجها، ولكن حرب العقيدة خالصة لله، والنصر فيها موقوف على ميقات إلهي، ثم معايير إيمانية، والأيدي الملوثة بدماء المسلمين لن ترفع للإسلام راية ولو وقفت على أعتاب تل أبيب، وأن النصر الحاسم لن يتحقق إلا بالربانيين وللربانيين